عندما وُلد «حسام حسن» في بيتنا!

إنجى الطوخى

إنجى الطوخى

كاتب صحفي

فى ملعب دالاس بولاية تكساس، كان هناك رجل خمسيني يرتدى تيشرت أسود بسيط على بنطال رياضى، كان يقف وحيدا بعيدا عن الجماهير، شاردا فى شئ شغل باله، بينما يغطى جسده بعلم مصر وفلسطين، كأنه أحد الآلهة اليونانية القديمة، لم يكن تبدو فى عينيه نظرة استعراض أو رغبة فى «الشو» بل إيمان جاد وعميق بما يفعله، يشعر بها من يراه من بعيد كان هذا الرجل هو المدرب «حسام حسن».


انطلقت إشارات الإعجاب والمدح بما فعله الكابتن «حسام حسن»، ليس فقط بسبب مواقفه التى كانت مشرفة لكل مصرى ومصرية، بل أيضا بسبب أدائه القوى والعظيم فى تدريب فريق المنتخب المصري الذى ظهر فى أداءه أمام كبرى المنتخبات الكروية فى كأس العالم، ولكن ما اتفق عليه الجميع أن ذلك لم يكن متوقعا من هذا اللاعب الذى ينتمى للطبقة المتوسطة، والذى كان يتميز بالكثير والكثير من المشاجرات داخل الملعب، ولكن هل هذه حقيقة فعلا؟، هل لم يكن ذلك النجاح متوقعا من لاعب بحجم «حسام حسن»؟
....
1-
تبدأ القصة فى عام 1995، كان أبى الذى كان يجوز أن يطلق عليه لقب «مدمن على العمل» يترك كل شئ، حتى لو كانت وقت قيلولته المقدس، ليشاهد مباريات الأهلى، بعيدا عن أبى «أهلاوى» المزاج، إلا إنه كان يتابع مباريات الأهلى لسبب آخر وهو حبه الشديد لللاعب «حسام حسن»، كان أبى يرى أن ذلك الحسام، حساما بالفعل، فعندما عاد للنادى الأهلى بعد غياب عامين لعب فيهما لأندية مثل سويسرا وإيطاليا واليونان وحتى اسكتلندا، كان «وش السعد» على النادى، فعادت معه البطولات و سجل ما يقارب من 96 هدف ، ومثل الظل الذى لا يتركك، كنت أسير وراء أبى كظله، فأحببت «حسام حسن»، وشجعته من قلبي حبا فى أبى، وصار أبى خلال السنوات التالية لا يتحدث سوى عن حسام حسن.


2-
فى عام 2000 حدث تحول دراماتيكى قد يدهش البعض أنه كان ذا أثر على حياتنا، فقد انتقل «الحسام» إلى الزمالك، كان أبى يتحدث للجميع عن صدمته، وكيف سمح الأهلى بمغادرة موهبة مثل «حسام حسن» بهذه السهولة، كاد أبى أن يجن، ماذا يفعل الآن؟، هو العاشق للأهلى، والعاشق لذلك «الحسام»، اختار أبى تشجيع حسام حسن فقط، هكذا سيتخلى وهو الرجل الأربعينى عن فريقه المفضل منذ نعومة أظافره لتشجيع موهبة «الحسام» فى فريق آخر وهو الزمالك، هل بدا ذلك خيانة لفريقه العزيز كما قال له البعض من الأقارب والأصدقاء، لم يعتبرها أبى كذلك بل رآها، أخلاصا ووفاءا لذلك اللاعب الذى دوما كان يسعده فى الملعب، وحتى خارج الملعب فهو كما يقول دوما جملته الشهيرة«هو العميد وسترون»


3-
فى 2001 تتجلى ظاهرة حب ذلك «الحسام» فى بيتنا، فأمى السيدة الكروية التى تتابع المباريات بشغف مع أبى كانت حاملا، وبعد مناقشات مع أبى، قررا الاثنان أن طفلهما القادم، لن يكون عاديا، بل طفلا مختلفا لأن اسمه الذى اختاروه له هو «حسام حسن»، المثير فى الأمر والمفارقة المدهشة أن ذلك الطفل الصغير لم يكن اسمه فقط مشابها لاسم العميد«حسام حسن» بل أيضا فى نفس شهر ميلاده فى أغسطس، وإذا كان العميد ولد فى الـ10 من أغسطس، فـ«حسام حسن» الذى ولد فى بيتنا كان تاريخ ميلاده هو 12 من أغسطس، وبالطبع كانت تلك المفارقة مجرد تجلى ألهي من الله وليست بقصد من أبى وأمي.


4-
فى 2002 «اتخض» وأنا أشاهد أبى يصرخ أمام التلفاز، عندما يبدأ «الشوط» الثاني من المباراة الودية التى عقدت بين منتخب فلسطين وبين منتخب «نجوم العرب» وضم مجموعة من أشهر اللاعبين العرب والمصريين آنذاك، على استاد القاهرة الدولى، وكانت ضمن مهرجان فلسطين في القلب، ونظمه الاتحاد المصري لكرة القدم لدعم فلسطين، أما لماذا صرخ أبى؟ فقد كان من فرحته عندما قرر «العميد» ارتداء «تى شيرت» المنتخب الفلسطيني وسلمه قائد المنتخب الفلسطينى وقتها شارة القيادة، وقتها وصفه أبى بأنه «رجل» يدرك المعنى الحقيقى لكلمة «مصرى» يحمل وفاءا وإخلاصا لعروبته وقضيته التى لم ينساها أمام عشقه لكرة القدم، ابتسم أبى وهو ينظر للصغير الوليد الذى لم يكمل عاما على يده والذى يحمل اسم العميد بفخر وكله أمل أن يكن له نصيب من شخصه.


5-
سنوات تالية شد وجذب فى حياة «الحسام» ومواقف كروية كثيرة عبر فيها عن رأيه صراحة، كان عصبيا ساعات، وكان شديدا ساعات أخرى، كان الهجوم عليه أنه نجمه خفت ولم يعد موجودا، كان أبى اذا سمع تلك الكلمات يعلق بجملة واحدة «ولو سيظل الحسام حسن هو عميد الكرة المصرية وسترون» ولم لا فهو هداف مصر التاريخي بـ69 هدف فى 176 مباراة دولية رسمية لمصر.



5-
اخيرا فى 2026 تبدأ مباريات المنتخب المصرى كأس العالم أحيانا نشاهدها كعائلة سويا وأحيانا منفصلين بسبب الأشغال، يعود إلى أبى شغفه القديم، تلمع عيناه وهو يرى أداء المنتخب المذهل، نتحدث كثيرا ونحلل كثيرا، نشاهد سويا كلمات العميد التى ألقاها عن القضية الفلسطينية فى الحوار الصحفي بعد مباراة مصر وأستراليا، نعيدها كثيرا على اليوتيوب، يتحول فيها«الحسام حسن» من مدرب كرة قدم عادي، إلى رمز لـ400 مليون عربي، رجل لم ينس قضيته فى عز مجده وانتصاره، رفع العلم الفلسطينى بجوار المصري عقب انتصاره فى مباراة استراليا، وأكد أن مصر ليس مجرد دولة من العالم الثالث النامي بل لها قدرة على المنافسة على الخريطة العالمية لكرة القدم، خصوصا بعد أن قدم أداءا مذهلا مع المنتخب المصرى فى مباراته مع بطل العالم منتخب الأرجنتين، عقب المباراة نبكي قليلا، ونضحك كثيرا، ونفخر بلا توقف، يرسم «أبى» على وجهه ابتسامة عريضة، ويرفع رأسه بفخر وهو ينظر لنا تلك النظرة التى تقول «ألم أقل لكم هو عميد الكرة المصرية وسترون».