الهزيمة التي انتصرت فيها مصر

لم أعد أذكر هل كنت أتنفس بانتظام أم كنت أحبس الهواء في صدري مع كل هجمة مصرية، كل ما أذكره أنني جلست أمام الشاشة، لكنني في الحقيقة كنت جالسا داخل قلب مصر نفسها، لم تكن مباراة عادية، كان منتخب مصر يواجه الأرجنتين، بطل العالم، والناس تعرف حجم الفارق في التاريخ والخبرة والأسماء، ومع ذلك، لم أشعر منذ الدقيقة الأولى أننا ذاهبون لنؤدي دور الضيف الخائف، كان هناك شيء مختلف في وجوه اللاعبين، شيء يشبه العناد الهادئ الذي يسبق المعارك الكبيرة.

هناك لحظات ننسى فيها أن المستطيل الأخضر مجرد مساحة من العشب، وأن الكرة ليست سوى جلد منفوخ بالهواء، لحظات يتحول فيها كل شيء إلى معنى أكبر، فيصبح القميص وطنًا، والركضة موقفًا، والهدف حكاية تكتب في ذاكرة أمة كاملة.

هكذا كانت مباراة مصر والأرجنتين.

على الجانب الآخر، وقف بطل العالم، منتخب يحمل تاريخًا طويلًا من البطولات، وأسماء صنعت أمجادها في أكبر ملاعب الأرض، وعلى الجانب المصري، وقف لاعبون يعرفون أن أحدًا لم يرشحهم لكتابة المعجزة، لكنهم قرروا أن يكتبوا المحاولة على الأقل.

ولعل أجمل ما في الرياضة أنها تمنح الإنسان فرصة نادرة ليتحرر من منطق الأرقام، فالتاريخ لا يجري داخل الملعب، والإحصاءات لا تمنع لاعبًا من أن يقاتل، ولا تمنح آخر حق الانتصار قبل أن تطلق صافرة النهاية.

منذ الدقائق الأولى، شعرت أن المنتخب المصري لا يلعب تحت وطأة رهبة المنافس، لكن تحت ثقل اسم يحمله في صدره، كان كل لاعب يتحرك وكأنه يحمل خلفه ملايين العيون التي جاءت تبحث عن لحظة فخر، لا عن نتيجة فحسب، ولم يكن الأداء مجرد التزام تكتيكي أو انضباط دفاعي، إنما كان إعلانًا صامتًا بأن احترام المنافس لا يعني الخوف منه، وأن الوقوف أمام الكبار لا يستلزم الانحناء لهم.

ومع مرور الوقت، اختفت الفوارق التي رسمتها التوقعات قبل المباراة، لم يعد في الملعب منتخب مرشح وآخر يبحث عن النجاة، بل فريقان يتصارعان على حلم واحد، كانت مصر تناور، وتضغط، وتهاجم، وتدافع بقلب لا يعرف الاستسلام، حتى بدا أن الفارق الحقيقي بين الفريقين ليس في الإرادة، لكن في تراكم الخبرات التي لا تكتسب إلا عبر سنوات طويلة من الحضور في مثل هذه المواعيد الكبرى.

في تلك اللحظات، لم أكن أرى أحد عشر لاعبًا فقط، كنت أرى شعبًا كاملًا يمضي معهم، أرى الطفل الذي يحلم بأن يرتدي القميص يومًا، والأب الذي يصفق من خلف الشاشة، والأم التي لا تفهم تفاصيل اللعبة لكنها تدعو في صمت أن يبتسم الحظ لأبنائها، فهكذا تفعل المنتخبات الوطنية، تختصر أوطانًا بأكملها في تسعين دقيقة، لكن كرة القدم، مثل الحياة، لا تمنح النهايات دائمًا لمن يستحقها أكثر، لكن لمن ينجح في اقتناص لحظتها الأخيرة.

وحين جاءت اللحظات الحاسمة، أدرك الجميع أن كرة القدم قادرة على أن تكون قاسية بقدر ما هي جميلة، انتهت المباراة، وأعلنت صافرة النهاية فوز الأرجنتين، لكن شيئًا في داخلي رفض أن يتعامل مع ما حدث بوصفه خسارة عادية، فبعض الفرق لا تخرج منتصرة لأنها رفعت الكأس، لكن لأنها رفعت رؤوس جماهيرها، وهذا ما فعله المنتخب المصري في تلك الليلة، لقد خسر مباراة، لكنه ربح احترام الجميع، وربح صورة جديدة عن نفسه، وربح يقينًا بأن الفجوة بين الحلم والواقع ليست بعيدة كما يظن كثيرون.

وبعد أن انطفأت الشاشة، لم أشعر بأنني شاهدت هزيمة، لكني شاهدت منتخبًا رفض أن يكون مجرد رقم في طريق بطل العالم، وقرر أن يكون خصمًا حقيقيًا حتى اللحظة الأخيرة، شاهدت لاعبين أثبتوا أن الشجاعة أن تظل مؤمنًا بحلمك حتى وأنت تواجه من يملك تاريخًا أطول وخبرة أكبر، وأدركت أن بعض المباريات لا تحفظها الذاكرة بسبب النتيجة، وإنما بسبب الشعور الذي تتركه في النفوس، فكم من انتصار نُسي بعد أيام، وكم من خسارة بقيت شاهدة على عظمة أصحابها.

لقد خرجت مصر من الملعب، ومعها شيء لا تمنحه الميداليات ولا تكتبه الإحصاءات، خرجت باحترام منافسيها، وبإيمان جماهيرها، وبصورة فريق يعرف كيف يقاتل حتى آخر ثانية.

واليوم، كلما عدت بذاكرتي إلى تلك المباراة، لا يهمني أن أتذكر عدد الأهداف، ولا تفاصيل النتيجة، بقدر ما أتذكر ذلك الإحساس النادر الذي اجتاحني وأنا أرى منتخب بلادي يقف ندًا لبطل العالم، لأن حينها فقط سنفهم أن قيمة الرياضة لا تكمن في الكؤوس وحدها، بل في قدرتها على أن تذكرنا بمن نكون، وأن الوطن يظل كبيرًا بأبنائه إذا دخلوا الميدان وهم يؤمنون أن اسم مصر يستحق أن يقاتل من أجله حتى النفس الأخير.