الجغرافيا والتضاريس في الحروب
تبقى الجغرافيا وتتغير الأسلحة ويتبدل القادة، هي الأثبت في مسار الحرب، الساكن الذي لا يتحرك بينما تتوالى صفحات التاريخ فوق تضاريسه.
تتلاشى الإمبراطوريات وتولد أخرى، تزول دول، وينمو غيرها وهي لا تتغير.
ليست حدودًا مرسومة على ورق، إنما روح المكان، تضاريسه وطقوسه وموقعه وباطنه، ما يمنح الدولة قوتها أو يكشف هشاشتها، ما يمنح الجيش عمقه أو يحرمه من أنفاسه الأخيرة. في زمن تبدو فيه الصواريخ قادرة على بلوغ أي بقعة، تظل الجغرافيا الحارس الصلد لحقيقة الاستراتيجية.
قبل 25 قرنًا من الزمان، كتب المفكر العسكري الصيني صن زو، في «فن الحرب»، أن من لا يعرف أحوال الجبال والغابات والأودية الخطرة لا يمكنه قيادة جيش.
ليست وصية عابرة، كانت تأسيسًا لفهم الأرض وأنها ليست مجرد مسرح للعمليات، بل شريك فيه، بل في كثير من الأحيان الخصم الألد أو الحليف الأوفى. لذلك تطور علم الجغرافيا وصار من أهم عناصر الحرب.
عرفت الجغرافيا العسكرية ذروتها في القرن التاسع عشر، أدركت أوروبا أن حروبها لا يمكن أن تستمر دون فهم دقيق للمكان.
في فرنسا بعد الهزيمة أمام ألمانيا عام 1870، برز ضباط مثل نيو ومارجا أسسا لموسوعات في الجغرافيا العسكرية ظلت تدرس حتى ثلاثينيات القرن العشرين.
في سويسرا أدرك العقيد أرنولد كيلر أن جغرافية بلاده المحايدة قد تجعلها ممرًا للجيوش المتحاربة، فكتب موسوعة من 34 جزءًا عن الجغرافيا العسكرية السويسرية بين عامي 1906 و1922.
في إيطاليا أصبحت الجغرافيا أهم مادة في الفنون العسكرية.
ساد الإيمان بأن السيطرة على جغرافية الأرض تبدأ بالسيطرة على الخرائط، كانت الإدارات الطبوغرافية العسكرية في قلب الاستراتيجية الأوروبية.
وضع علماء الجغرافيا مواصفات وسمات لأشكال حدود الدول، مزاياها وعيوبها، إيجابياتها وسلبياتها في الحروب.
الدولة المتراصة الأطراف ذات الحدود القصيرة نسبيًا، يسهل الدفاع عنها وتسيطر جيوشها على أجزائها، شكلها المتراص يوفر لها عمقًا استراتيجيًا للمناورة.
الدول الممتدة طوليًا أو المشتتة الأجزاء أو غير منتظمة الحدود، يقف شكلها الجغرافي عائقًا أمام دفاعها ويعرض أجزاءها للانفصال في زمن الحرب.
أجمع مفكرو الجيوبوليتيك أن البقاء للدول ذات الرقعة الجغرافية الواسعة التي تمتلك الدفاع في العمق.
وصف الجغرافي جون هيرز الدول الصغيرة بالكيانات الهشة التي تفتقر إلى مقومات الدفاع عن نفسها، ما يضطرها للبحث عن حماية في تكتلات وأحلاف.
تجسدت مقولته في الحرب العالمية الثانية حيث انهارت هولندا ذات المساحة الصغيرة أمام الألمان في 4 أيام، بينما صمد الاتحاد السوفييتي مستندًا إلى عمقه الاستراتيجي الشاسع لسنوات أمام جيش هتلر، مقدمًا دروسًا في فن تسليم الأرض لكسب الوقت.
في الحروب، لا يهم حجم الجيش فقط، بل حجم الأرض التي يمكنه التراجع عليها، والمسافة التي يمكنه استخدامها لإعادة التنظيم، والامتداد الذي يجعل العدو يغرق في متاهة المكان قبل أن يصل إلى القلب.
في قلب الشرق الأوسط توجد إيران، الكيان الجيوسياسي الفريد، أحد أبرز الأمثلة على قراءة الجغرافيا كسلاح في زمن الحرب. إيران ليست مجرد دولة، بل هضبة شاسعة، ممرات جبلية، ومضيق استراتيجي.
تمثل إمبراطورية بعد حداثية، دولة تمتلك مفاتيح الجغرافيا الصعبة التي تجعل أي عدو يفكر مرتين قبل الاقتحام.
في المواجهة الراهنة مع أمريكا وإسرائيل في حربها المفروضة عليها، تلعب الجغرافيا دورًا في صميم الاستراتيجية الإيرانية.
المساحة الشاسعة، الوعورة الجبلية، الموقع المطل على الخليج، كلها تشكل طبقات دفاعية متداخلة.
العامل الأبرز، مضيق هرمز الذي تحول إلى سلاح جغرافي بامتياز.
تسعى إيران إلى الضغط عبر هذا الممر، مدركة أن إغلاقه يعني شل حركة بترول المنطقة ورفع كلفة الحرب إلى مستويات لا تطاق.
تحولت الجغرافيا من عامل دفاعي سلبي إلى أداة ضغط هجومية، تذكر العالم بأن باطن الأرض الذي يمنح الخصوم ثرواتهم يمر عبر مياه تخضع لسيطرة الجغرافيا الإيرانية.
يرى ألفريد ماهان الاستراتيجي البحري، أن السيطرة على البحار أساس الهيمنة، من يسيطر على المضائق يسيطر على التجارة ومن يسيطر على التجارة يملك العالم.
في هذا الصراع، تستخدم إيران الجغرافيا مؤكدة نظرية ماهان، ولسان حالها يقول: إن لم نستطع السيطرة على البحار، فسنغلق أهم ممراتها.
معادلة واضحة، كلما تصاعدت الضغوط على طهران، رفعت كلفة المواجهة، مستخدمة كل ورقة في جغرافيتها.
تعيد إيران إحياء درس قديم، أن الجغرافيا ليست مجرد خلفية للحرب، بل بطلها الصامت. في كتابه «انتقام الجغرافيا»، يقول روبرت كابلان إن الجغرافيا تعود لتنتقم ممن ظنوا أن التكنولوجيا قد ألغتها.
حالة إيران تثبت أن التكنولوجيا العسكرية رغم تطورها، لا يمكنها هزيمة هضبة شاسعة، لا يمكنها شق طريق سريع عبر الجبال، لا يمكنها تعويض نقص العمق الاستراتيجي.
إن الجغرافيا ليست مجرد حدود، بل حصن منيع، وهي في الوقت نفسه سيف قادر على تهديد اقتصاد العالم كله.