جمال خادع يخفي «طائرا شرسا».. «المينا الهندي» ضيف ثقيل على البيئة المصرية (تحقيق)
جمال خادع يخفي «طائرا شرسا».. «المينا الهندي» ضيف ثقيل على البيئة المصرية (تحقيق)
- طائر المينا الهندي
- المينا الهندي
- الطيور الغازية
- انتشار طائر المينا الهندي
- وزارة البيئة المصرية
- الطيور
بجسمه الداكن ومنقاره الأصفر الزاهي، يلفت طائر المينا الهندي الأنظار، للوهلة الأولى تأسرك براءة الشكل، يطير بين الحقول وأعلى أعمدة الكهرباء، صوته حاد ومتكرر، يقلد كل ما يسمعه بإتقان شديد، تتمتع نظراته بثقة تزيده بهاء وهو ينتقل بخفة أعلى الأشجار، هذا المشهد أصبح مألوفًا في السنوات القليلة الماضية، حينما قرر هذا الطائر أن يستوطن البيئة المصرية، محدثًا خللًا وكثيرًا من التحذيرات.
«المينا الهندي» لم يكن يومًا جزءًا من الطبيعة المصرية الأصلية، إلا أنه تمكن منذ جاء في أواخر التسعينيات من فرض حضوره، مستفيدًا من قدرته على التكيف مع البيئات المختلفة، وبينما يراه البعض طائرًا ذكيًا وجذابًا، ويصلح للتربية ينظر إليه خبراء البيئة باعتباره الأكثر قدرة على منافسة الكائنات المحلية وتهديد التوازن البيئي.
تلك التحذيرات أشعلت حماس العلماء، ودفعت وزارة التنمية المحلية والبيئة إلى لفت الانتباه إليه، فلا يجب أن يتكاثر دون داع، ويفضل تقليل أعداده، فما قصة هذا الطائر؟ وكيف وصل لمصر؟ ولماذا أُدرج ضمن أخطر الكائنات الغازية في العالم؟ وما حجم التهديد الذي يمثله؟، وما هي خطة التخلص منه؟، وكيف نصل لاستراتيجية للحد من أعداده وبالتالي استعادة التوازن البيئي؟.
في هذا التحقيق فتحت «الوطن»، عدساتها ورأت من كاميرات مراقبي الطبيعة أين يعيش هذا الطائر، وكيف تكيف في البيئة، بحثت عنه في المتاجر، وداخل الأسواق، وفي بيوت المصريين المتضررين من وجوده، وانتقلت إلى الأرياف لتشهد تلف المحاصيل، ثم تحدثت إلى علماء الطيور للوصول إلى حل جذري، ثم أمسكت بنادق الصيادين ووجهت فوهاتها تجاه الغازي الجديد.

عش فوق الشرفة.. يقلب حياة «ريم»
كعادتها استيقظت ريم في الصباح، سمعت صوتًا غير تقليدي قادمًا من الشرفة، ذهبت لتحاول الاستطلاع ولكن فاجأها طائر بصوت عذب، فرحت واستقبلته، وراقبته وظلت هكذا أيامًا، الصغار في العش ينعمون بوجود الأم ووفرة الأكل بمحافظة الإسماعيلية، التي تعد مع مدن القناة من أكثر المحافظات المصرية احتضانًا لهذا الطائر، حينها لم تكن تعلم ريم عبد السميع البالغة من العمر 45 عامًا أن هذا ضيف ثقيل، فقد جاء من أقصى آسيا يسعى في الأجواء المصرية، يحتل بيوتها يقتات على مزروعاتها، ويقتل الطيور، فاتكًا بالتوازن البيئي.
يومًا تلو الآخر لا يتحرك الطائر من مكانه حتى بعد أن كبر الصغار، فكيف لطائر أن يعشش بجانب البيوت بهذا الشكل؟، الطيور المصرية عادة ما تبني أعشاشها على الأشجار أو في الأماكن غير المأهولة، ولكن طائر «الماينا الشائعة»، وهو اسمه العلمي و«المينا الهندي» وهو اسمه الشعبي، يمكنه أن يستوطن داخل البيوت، وفي المناطق المتخمة، بحسب بيان صحفي لوزارة البيئة المصرية، ورويدًا تحولت لحظات السعادة إلى ضيق فهذا الطائر غير مرحب به حاليًا.
الصوت العذب لا يزال موجودًا، ولكن ربة المنزل فوجئت بجثث غربان وعصافير في عش الطائر، بالإضافة إلى الإزعاج القوي الذي يسببه حيث اختار خارج غرفة طفلتها مباشرة ليبني العش، رائحة كريهة وضوضاء طوال الوقت، ومشاجرات أحيانًا بين الطائر ورفاقه، جعلت ريم تود التخلص منه بشتى الطرق، حيث أكد الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة أن هذا الطائر من أخطر الطيور الغازية التي تستوطن البيئات الجديدة.
أصبحت الأم وابنتها حبيستي غرفة بلا تهوية، فهي لا تستطيع فتح «شيش البيت»، تقول ريم في تصريحاتها لـ«الوطن»، «أنا لو فتحت الشيش ده العش والطائر هيقعوا على سرير بنتي»، مراقبته يوميًا أصبحت عادة لأنها تريد أن تفيق من كابوس هذا العش الذي يقيد الحركة ويفيض ضوضاء، ويمنع الراحة من دخول الغرفة فضلًا عن الرائحة الكريهة النفاذة، ريم لم تفكر في التواصل مع وزارة البيئة، لأنها لم تكن تعلم بأنه يمكن إزالته تمامًا بشكل رسمي، مثلما أوضحت الوزارة.

ظهور طائر المينا الهندي في مصر
قبل أكثر من ربع قرن ظهر طائر المينا الهندي في مصر، لكن هذا الطائر القادم من جنوب آسيا استطاع خلال سنوات قليلة أن يوسع نطاق انتشاره، وتشير تقديرات الجهات المعنية بحماية الطبيعة، وفقًا لبيان صادر عن وزارة التنمية المحلية والبيئة إلى أنه من أخطر الطيور الدخيلة والغازية، وهو ما ساعده على الانتشار تدريجيًا منذ تسجيله لأول مرة في شبه جزيرة سيناء عام 1999، وصولًا إلى القاهرة الكبرى ومدن القناة والدلتا وبعض محافظات الصعيد والمناطق الساحلية.
ينتمي طائر المينا الهندي إلى فصيلة الزرازير، ورتبة العصفوريات ويبلغ طوله نحو 23 إلى 26 سنتيمترًا، ويمكن تمييزه بسهولة من خلال جسمه البني الداكن ورأس وعنق أسودين، مع وجود بقعة صفراء عارية حول العين ومنقار وأرجل صفراء زاهية، كما يظهر شريط أبيض واضح على الأجنحة أثناء الطيران.
لكن ما يجعل هذا الطائر مختلفًا عن غيره ليس شكله فقط، فهو يعيش بالقرب من التجمعات السكانية، ويتغذى على أنواع متعددة من الطعام، بدءًا من الحشرات والحبوب وصولًا إلى بقايا الطعام والمخلفات المنتشرة في بعض المناطق الحضرية، وترجع وزارة البيئة أسباب انتشاره إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها سرعة التكاثر والقدرة على التكيف فضلًا عن تنوع مصادر الغذاء المتاحة له على مدار العام.

داخل البيوت المصرية
ومن الإسماعيلية حيث وجدت ريم الطائر، إلى المنصورة، حيث يعيش محمد مراد البالغ من العمر 38 عامًا وحيدًا بعد طلاقه، مجرد سرير وعفش بسيط تركته له طليقته، وشيش موارب، وبيئة هادئة قريبة من الأراضي الزراعية، جميعها عوامل شجعت أنثى طائر المينا الهندي أن تحط عشها، ليس فقط خارج البيت وإنما هذه المرة داخله، في مسافة صغيرة بين الشيش والزجاج، يقول مراد في تصريحات خاصة لـ «الوطن»، «الفار كان واكل حتة صغيرة من الشيش لقيت الأم دي دخلت وبنت عش وحطت البيض بتاعها كمان».
3 ولادات متتالية شهدها مراد داخل واحدة من غرف شقته، في كل مرة ترعى الأنثى أفراخها ثم تطلقهم في الهواء، «على فكرة الطير ده موجود منه كتير جدا هنا في المنصورة»، محمد الذي يعمل في مجال العلاقات العامة في واحدة من شركات الأدوية الخاصة، لا يتواجد في المنزل بصورة مستمرة، وهذا ما شجع أنثى المينا على ألا تترك عشها، «وأنا بردو عندي فضول اتعامل معاهم، بس سمعت أنها طيور مفترسة ومش كويسة وبتاكل طيور تانية وعصافير صغيرة».
حينما حاول محمد مراد التعامل مع أفراخ المينا فورًا هاجمته الأم وسببت له إصابة كبيرة في ذراعه، ومنذ هذا الوقت أخرج الصغار من القفص وأعادها للأم، ولكن رواج البيع والشراء أونلاين لهذا الطائر دفعه لعرضه على الإنترنت، «هم اللي فاضلين 3 بس عمرهم 20 يوم، أنا عارف أنهم خطر بس مفكرتش أبلغ حد هم مش مضايقني لأني عايش لوحدي».

سلوك عدواني وتخريبي
الغيّة أكثر الأماكن أمانًا بالنسبة للحمام، وهي أكثر ما يحبه المربون، الاهتمام بها وبنظافتها وشكلها التجميلي، لذا انزعج محمد خالد بشدة عندما وجد سلوكًا عدوانيًا لطائر المينا داخل غيته، رغم أنه في البداية أحب وجوده وأحب صوته العذب في الغناء بجانب الطيور.
وصف خالد سلوكه بأنه «تخريبي»، وأضاف، «تصرفاته غريبة عندي مثلا بيخش في أبراج الحمام ياخد الفرخ اللي لسه طالع من البيض ويرميه بره البرج» لم يفهم خالد هذا السلوك خاصة وأن المينا لا يعشش في أبراج الحمام وهو ما دفعه إلى قتله في كل مرة يراه فيها مقتربًا من غيته.
«طائر المينا وصل أكتوبر»، بتلك الكلمات التي تحمل في طياتها خوفًا وقلقًا، أعلن سالم هاني رصده لهذا الطائر على الحشائش، يأكل بيضًا من عش عصفور مصري، حينها لم يكن يعلم أنه طائر مخرب، جاء يسعى ليسيطر على البيئة المحيطة به، فهو لا يحب المزاحمة خاصة من الطيور، يقول في تصريحات خاصة لـ «الوطن»، إنه بمراقبته لعدة أيام اكتشف عدوانيته وكرهه للكائنات الأخرى خاصة من الطيور.
من البيوت إلى المزارع.. شكاوى تتكرر
أما في محافظة المنوفية، اضطر المزارع عبد الجواد سعيد إلى التخلص من محصول الطماطم، بعدما أتلفه مجموعة من طيور المينا، «بينقّر في الثمرة ويسيبها ويمشي حتى مش بياكلها كلها» في البداية كانت أعداد الطير بسيطة، ولكن بمرور الأيام وجد أعدادًا كبيرة تأتي في مجموعات فتسببت له في خسائر فادحة، «وهنا أنا اتواصلت مع صيادين طيور معروفين هنا، عشان يخلصوني منهم»، ويعتبر الصيد المحترف واحدًا من أكثر الطرق أمانًا في الحد من انتشار طائر المينا.
في مواجهة هذا التوسع، تواصل وزارة التنمية المحلية والبيئة تنفيذ برامج ميدانية لرصد تجمعات الطائر ومتابعة تحركاته في المحافظات المختلفة، بهدف تكوين قاعدة بيانات دقيقة تساعد على تحديد بؤر الانتشار واتخاذ الإجراءات المناسبة للحد من أعداده.

مصدر مسؤول بوزارة البيئة: الطائر يضر البيئة المصرية بشكل كبير
وقال مصدر مسؤول بوزارة البيئة في تصريحات خاصة لـ«الوطن»، إن الوزارة تنصح بعدم بيعه وشرائه وتداوله بأي شكل من الأشكال، سواء في الأسواق أو أونلاين، وما تحث عليه هو صيده، وتطلب دائمًا من الصيادين المحترفين والهواة، ممارسة تلك الهواية للحد من انتشاره، كونه يضر بالبيئة المصرية بشكل كبير، وتعتمد جهود الوزارة على المتابعة الدورية ورسم خرائط للتوزيع الجغرافي للطائر، إلى جانب تسجيل المشاهدات وإجراء عمليات عد منتظمة لتقييم تطور أعداده من منطقة إلى أخرى.
كما تشمل الإجراءات المتبعة إزالة الأعشاش خلال الفترات المناسبة وسد الفتحات والأماكن التي يستخدمها الطائر في التعشيش داخل المباني والمنشآت، بما يقلل من فرص تكاثره وانتشاره، ويعتبر توافر الغذاء أحد أهم العوامل التي تشجع المينا الهندي على الاستقرار والتكاثر، لذلك تركز خطط الوزارة على تقليل مصادر الطعام المكشوفة في المناطق الحضرية، وتشمل هذه الإجراءات إحكام غلق صناديق القمامة، ومنع إلقاء بقايا الطعام في الشوارع، وتحسين مستويات النظافة في الأسواق والموانئ، فضلًا عن الإدارة السليمة للمخلفات الزراعية.
«البيئة» تواجه انتشار الطائر
ويُعتقد أن هذه الخطوات يمكن أن تقلل من جاذبية المناطق المأهولة للطائر وتحد من فرص تجمعه بأعداد كبيرة، وتعد هذه الخصائص من الأسباب التي دفعت العديد من الدول إلى إدراجه ضمن الأنواع الغازية التي تستدعي المتابعة والرصد المستمرين، نظرًا لما قد تسببه من ضرر على الأنواع المحلية في البيئات التي تستوطنها، ومن بينها مصر، ولا تقتصر الجهود على ذلك، بل تمتد أيضًا إلى دعم الأنواع المحلية التي قد تتأثر بوجوده.
كما تؤكد وزارة البيئة على أهمية رفع الوعي المجتمعي بخطورة إطلاق الأنواع الدخيلة في الطبيعة أو تربيتها ثم التخلص منها في البيئات المفتوحة، لما قد يترتب على ذلك من آثار طويلة المدى على التوازن البيئي، ورغم اتساع نطاق انتشاره، لا تستهدف البرامج القضاء الكامل على الطائر، بينما تعتمد الاستراتيجية الأساسية على التحكم في الأعداد والحد من التوسع المستمر للطائر، ومع استمرار عمليات المتابعة والدراسات الميدانية، يبقى الهدف الرئيسي هو الحفاظ على التنوع البيولوجي المصري.
كيف غزا «المينا» مصر؟
يقول أحمد وحيد، عضو الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، أن الاسم العلمي الصحيح للطائر المعروف شعبيًا بـ«المينا الهندي» هو «الماينا الشائعة»، موضحًا أن التسمية المتداولة ليست سوى اسم شعبي.
ويوضح، في حوار مع «الوطن»، أن هناك ثلاث فرضيات رئيسية تفسر وصول الطائر إلى مصر، الأولى تشير إلى انتقاله عبر السفن التجارية القادمة من جنوب شرق آسيا، والثانية تفترض هروبه من مزارع خاصة في الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل أن ينتشر طبيعيًا، بينما رجح أن يكون السبب الأكثر واقعية هو هروب أفراد كانت تُربى كطيور زينة لدى الهواة، نظرًا لقدرتها الكبيرة على تقليد الأصوات والكلمات، ثم نجاحها في التأقلم والتكاثر داخل البيئة المصرية.
عضو «المصرية لحماية الطبيعة»: أول تسجيل للطائر يعود لـ1998 في العين السخنة
ويشير إلى أن أول تسجيل موثق للطائر في مصر يعود إلى عام 1998 بمدينة العين السخنة، مؤكدًا أن الماينا الشائعة أصبحت منتشرة حاليًا في معظم المحافظات، باستثناء بعض المناطق الصحراوية التي لم تُسجل فيها مشاهدات مؤكدة.
ويضيف أن الماينا الشائعة تُعد من الطيور القارتة «Omnivore»، إذ تتغذى على مختلف أنواع الغذاء، وهو ما يجعلها تشكل تهديدًا للمحاصيل الزراعية، خاصة الفاكهة، لافتًا إلى أنه شاهد بنفسه حالات أتلف فيها الطائر أجزاء كبيرة من محاصيل مثل الطماطم والفراولة وغيرها، بما يسبب خسائر للمزارعين.
ويلفت عضو الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، إلى أن الطائر قد ينقل بعض المسببات المرضية، من بينها السالمونيلا، لذلك لا يُنصح باستهلاكه كغذاء، كما أن الطيور المصرية التي تتغذى على الفاكهة تُعد جزءًا من التوازن البيئي، لأنها تسهم أيضًا في تلقيح النباتات والحد من بعض الآفات، على عكس الماينا الشائعة التي لا تمتلك مفترسات طبيعية في البيئة المصرية، الأمر الذي يسمح بتزايد أعدادها بصورة مستمرة.
وأكد أن الزوج الواحد من الماينا الشائعة يمكن أن ينتج ما بين أربعة وسبعة فراخ خلال الموسم الواحد، مؤكدًا أن وصف الطائر بأنه «انتهازي» هو توصيف بيولوجي يعكس استغلاله لكل الفرص المتاحة للحصول على الغذاء والمأوى والتكاثر، وليس وصفًا أخلاقيًا.

مطالب بخطة حكومية لمواجهة الانتشار
وشدد «وحيد» على أن مواجهة انتشار الطائر تتطلب خطة حكومية متكاملة تشارك فيها عدة جهات، وليس وزارة البيئة وحدها، موضحًا أن إزالة الأعشاش من أعمدة الكهرباء أو المنشآت المختلفة تستلزم تنسيقًا مع الجهات المعنية، إلى جانب الاستفادة من خبرات الصيادين المحترفين في برامج المكافحة.
كما أكد أن سلوكيات المواطنين لعبت دورًا في انتشار الطائر، وفي مقدمتها سوء إدارة المخلفات وإلقاء القمامة في غير الأماكن المخصصة، ما وفر مصدرًا دائمًا للغذاء وساعد على زيادة أعداده، كما أن الحديث عن الطائر يشهد قدرًا من المبالغة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تُتداول معلومات غير دقيقة، ويُطلق عليه البعض أسماء غير علمية، كما يخلط آخرون بينه وبين طيور مصرية محلية مثل البلبل، ما قد يؤدي إلى استهداف أنواع محلية بالخطأ.
وحذر من أن تأخير جهود المكافحة سيزيد من صعوبة السيطرة على الطائر، موضحًا أن مكافحة مئات الطيور تختلف كثيرًا عن مكافحة آلاف أو عشرات الآلاف منها، لذلك فإن التدخل المبكر هو الأقل تكلفة والأكثر فاعلية في منع حدوث خلل بيئي.
وأضاف أن اختفاء الماينا الشائعة من مصر لن يسبب اضطرابًا بيئيًا، لأنها ليست من الأنواع الأصلية في البيئة المصرية، بل إن تقليل أعدادها سيساعد الأنواع المحلية على استعادة أعدادها الطبيعية، وإن كانت هذه العملية تحتاج إلى سنوات من العمل والتنسيق.
رحلة البحث عن المينا.. مهمة في قلب السوق

ورغم التحذيرات من خطورة الماينا الشائعة واتساع نطاق انتشارها، قررت «الوطن» التحقق ميدانيًا من واقع وجود الطائر، ذهبنا للبحث عنه في قلب القاهرة، وعلى بُعد بضعة كيلومترات من وسط البلد، حيث يعج سوق الجمعة كل أسبوع بضجيج الباعة. كل شيء هنا، بداية من الخردة، والإبرة، وحتى النعام والخراف، وكافة أشكال الملابس والأحذية، المستعمل والجديد، كلٌّ يجد ضالته، فهل نجد طائر المينا؟ رحلة بحث «الوطن» انتهت بمفاجأة، بعيدًا عن الأنظار وعلى استحياء شديد.
داخل حي السيدة عائشة عُرف سوق الجمعة، منذ أكثر من 100 سنة، بأنه واحد من أكبر وأقوى الأسواق الشعبية في مصر، تأمين شامل على مداخل ومخارج السوق، ولكن ما إن تحط بقدميك داخله تجد نفسك في مساحة أقل من ربع متر، تسير بقوة الدفع ممن حولك. كانت المهمة شاقة، أن تبحث عما منعت وزارة البيئة تربيته وتداول بيعه وشرائه.
من جهة الجنوب، وتحديدًا عند نزلة المحور الجديد لصلاح سالم، بالقرب من مقابر السيدة عائشة ومنطقة الأباجية، يوجد سوق العصافير والحمام داخل «الجمعة»، زنجباري، وكناريا، وببغاء، وكافة أشكال العصافير تباع هناك. كل ما يلزم هو قفص حديد أو بلاستيك توضع فيه الأفراخ الصغيرة، ومنطقة للوقوف أو طاولة لعرضها، الجميع هناك يعرف عن طائر المينا الهندي، ولكن مستوى الوعي لدى التجار كان مرتفعًا للغاية، فالجميع يعلم أنه «طائر وحِش، وماينفعش نشتغل فيه».
على طرف الطاولة جلس حمدي سالم بتعالٍ يوجه صبيانه بأسعار الطيور المعروضة للبيع، ثقته في نفسه توحي بأنه تاجر محنك في تلك المهنة منذ سنوات، أكد في حديثه: «مفيش مينا هندي هنا، وماتدوريش عليه»، فهو يأتي لسوق الجمعة منذ كان عمره 10 سنوات، ويعرف كل ما يحتوي عليه السوق: «ثم إن حضرتك عايزة الطائر ده ليه؟، ده طير وحِش وخبيث وعنيف وبياكل الأخضر واليابس»، كان مستوى الوعي لدى التاجر مبهرًا، فهو لديه قضية ليدافع عنها: «لو شفته هقتله».
أكد «حمدي» تصريحات وزارة البيئة، ولكن بشكل عفوي وشخصي، بمنع الاتجار، أو التداول أو التربية لطائر المينا: «إحنا عارفين كويس إنه ممنوع ومش هتلاقيه في السوق كله»، ولكن ورغم إحباط أول محاولة للبحث عن طائر المينا المثير للجدل، أكملت «الوطن» جولتها في السوق بحثًا عنه.
تحت الشمس الحارقة في آخر شهر يونيو، وقف الجميع باحثًا عن الرزق، ومنهم محمد عبد الخالق، الذي جلس بجانب نجله وأمامه على طاولة خشبية متهالكة تسللت مسامها ذَرق الطيور، 8 أقفاص تحتوي أنواعًا مختلفة: «هل يوجد مينا هندي؟»، كان الجواب سريعًا ولا يوجد به لبس: «لا طبعًا مابنشتغلش في الحاجات دي».
لم يكتفِ التاجر بنفي التهمة عن نفسه، بل حاول أيضًا إثناءنا عن شراء هذا الطائر: «ده بياكل فيران، وطيور، وبياكل زبالة، وأي حاجة تيجي قدامه، بلاش تشتري الطائر ده»، هذا بالإضافة إلى تأكيده أن الحكومة مانعة منعًا باتًا الاتجار فيه وبيعه وشرائه، وقال إنه موجود في كل مكان ولا يحتاج لسوق.

لماذا يقبل الناس على شرائه؟
ولكن ما أسباب إقبال بعض المواطنين على شرائه؟ ولماذا يُعتبر هذا الطائر حديث الجميع، خاصة محبي الطيور، في هذا التوقيت؟ شرح «عبد الخالق»: «لأنه عُرف بصوته المميز، ويمكنه تقليد أي كائن حي، طيور وقطط وكلاب وحتى صوت الإنسان، بس خدي بالك هو مش ناطق، الناطق فقط اللي عنده لوزتين صُفر ظاهرين من بره، وده مش موجود في مصر، اللي موجود في مصر اللي بيقلد بس، وبيغني وصوته حلو جدًا الصبح».
وفي نهاية حديثه دلَّنا «عبد الخالق» على مكان يباع فيه «المينا الهندي»: «آخر السوق ده على الشمال، بس بجد بلاش تشتريه، مالوش لازمة، وبعدين موجود في مايو على صناديق الزبالة».
أكملنا جولتنا في سوق العصافير والحمام، على مقربة من «عبد الخالق»، ولكن دون طاولة وفي منتصف المكان المخصص لعرض الطيور، وقف سلامة أحمد، وأمامه عدة أقفاص للطيور، يتفق مع زبون على سعر لجوز أفراخ طائر الكناريا، بدا منشغلًا، ورغم ذلك رد على التساؤل: «لا يا فندم، مش بنشتغل في المينا الهندي نهائي، كلها عصافير».
وأكمل حديثه مازحًا: «ده مش طير، ده عامل زي الفرخة، وأصلاً سعره رخيص جداً، ممكن تشتري الجوز بـ200، و300 جنيه، وكل اللي بيبيعه في السوق هتلاقيه اصطاده من الشارع عادي لكن مش مُربِّي». وصلنا إلى معلومة أخرى بأن الطائر يباع بالفعل في قلب القاهرة، ولكن يبدو أنه لا يتم تداوله بشكل احترافي مثل باقي الطيور، وإنما بشكل غير مقنَّن بعد بيان وزارة البيئة.
قال «سلامة» إن وجود «المينا الهندي» غير قانوني، ويضر بمُربِّي وبائعي الطيور لأنه يأكل أفراخها، فغالبًا لن نجد بائعًا محنكًا يبيعه، ولكن مجرد هواة: «الطير ده ممكن يبوّظ لي تجارتي لأنه بياكل أي حاجة، تخيلي ممكن ياكل مكرونة، أو فرخ صغير لأي عصفور، طائر بشع وكريه وريحته وحشة وبيقلب البيت، وحتى فضلات الطيور بياكلها، فيه ناس ممكن تربيه علشان تخلص من الزبالة».
غادرنا سوق الحمام والعصافير، إلى شارع السوق الأصلي، اتجهنا يسارًا، حيث دلَّنا اثنان من البائعين. بدا الشارع في هذا التوقيت، حين اقتربت الشمس من أن تعتلي السماء، كبحر متلاطم من الوجوه والخطوات البطيئة بفعل التزاحم، على جانبَي الطريق يقف باعة يعرضون طيورهم خارج السوق المخصص، الريبة انتابت أحدهم حينما سُئل عن «المينا الهندي»، ثم اختفى عن الأنظار، الجميع يعرف بمنع تجارته وتداوله في الأسواق، هذه المعلومة أصبحت جلية.
بيع في الخفاء.. وسوق موازية على الإنترنت
وأخيرًا داخل خرقة قطنية من اللون الأسود بإطار أبيض، ظهر منقاره الأصفر المميز، يحمله طفل في سن المراهقة، يمشي بخطوات متسارعة عن إيقاع الشارع البطيء بسبب الزحام، يخبئه كلما حاول الظهور، وهكذا باستحياء شديد عثرنا على طائر المينا الهندي في السوق للتداول، وعند محاولة الحديث مع الصبي صاح رافضًا الرد على السؤال، وتعذر تصوير الطائر بسبب الزحام وسرعة الطفل ورفضه الحديث، وفي آخر مشهد قبل مغادرة السوق خرج رأس فرخ طائر المينا الهندي كاملًا من الخرقة وصاح بصوته العذب معلنًا وجوده.
تشهد أسعار أفراخ طائر المينا، تفاوتًا كبيرًا حسب النوع والتدريب ومنطقة البيع ويتعذّر تسعيره والعثور عليه على أرض الواقع، لكن على الإنترنت ومجموعات البيع والشراء على «فيس بوك»، البضاعة رائجة، ولا يتطلب البحث سوى كتابة اسم الطائر، لتظهر مئات النتائج التي تشير إلى أنه واحد من أكثر الطيور جدلًا في مصر حاليًا، وهناك عشرات المنشورات تُحذّر منه، والبيع كما يقول المثل الشعبي «على عينك يا تاجر».

أحمد حسن عرض «جوز أفراخ» للبيع على الإنترنت، إعلانه لم يتخطَّ يومين، تواصلنا معه لمحاولة الشراء ومعرفة مكانه، وكيف يحصل على الأفراخ؟
قال التاجر لـ«الوطن»: «موجود ومتوفر، ولكن أسعاره تختلف بشدة من تاجر لآخر»، أما هو فكان من دمنهور واعتذر عن بيع جوز الأفراخ. وتابع: «لا والله اتباعوا، بس لو مستعجلة تابعي الجروب، أو انزلي سوق الجمعة هتلاقي كتير».
تفاوت الأسعار يرجع إلى تدريب الطائر من عدمه، حسبما قال «أبوعويضة»، أحد التجار الذي عرض «جوز أفراخ» للبيع على الإنترنت.
وأضاف أن النوع المُدرّب الأليف الذي يُباع لهواة الطيور للتربية في البيت يتجاوز سعر الجوز 900 و1000 و1500 جنيه، ويعتبر هذا المبلغ قليلًا نسبيًا، لأن الطيور الأليفة التي تُربى في البيت غالبًا ما تكون أسعارها مرتفعة للغاية، مثل الزنجباري الذي يمكن أن يصل سعره إلى 26 ألف جنيه، خصوصًا المدرب منه والأليف.
وتحت عنوان «طيور المينا بيع وشراء في مصر»، أنشئت مجموعة عامة يمكن أن يشترك فيها ويرى محتواها أي شخص يبحث عن طائر المينا، وعليها يُباع ويُشترى الطائر منذ عام 2025، ويبدو أن محبي الطائر يتداولونه في ما بينهم منذ فترة، حتى إن هناك من يعرض للمنح دون مقابل، وكتب أحد أعضاء المجموعة: «موجود للي محتاجه، فرخ صغير، الشرط الوحيد تيجي تاخده بنفسك، لأني مش هامشي مشاوير».
وعرض عبد الجواد الكعبي، زوجًا آخر للبيع مقابل 3 آلاف جنيه، عبر «market place» على موقع فيس بوك، ووضع في مواصفاته «أليف، بيقلد الأصوات، بيغني، بيتكلم، نضيف من غير حشرات، جاهز للتربية»، وبالتواصل معه لشرائه أكد أنه تم بيعه بالفعل.
التجارة الرائجة حاليًا عبر الإنترنت لا تلتفت كثيرًا للتحذيرات المتتالية من الجهات المختصة، وإنما يُباع الطائر على مستوى محافظات مصر في الإسكندرية، و15 مايو، والجيزة، ودمنهور، والسويس والإسماعيلية، وهناك مشترون مستعدون لشراء أي كمية.


معركة الحد من الانتشار.. وخطة الاحتواء
يقول كريم الكراني، رئيس جمعية الصيادين المصريين للخدمات والتنمية، أن الصيد المقنن يُعد من أكثر الوسائل أمانًا وفاعلية للحد من انتشار طائر الماينا الشائعة، مشيرًا إلى أن الجمعية تمتلك شبكة من الصيادين المحترفين والمدربين في مختلف المحافظات، نجحت بالفعل في اصطياد أعداد كبيرة من الطائر بجهود ذاتية.
ووصف «الكراني»، سلوك المينا الشائعة بالعدواني، مؤكدًا قدرتها على الإضرار بالنظام البيئي المحلي، موضحًا أنها تهاجم أعشاش الطيور المصرية، مثل الهدهد وأبو قردان والحمام والعصافير، وتقتل فراخها وتحطم بيضها للاستيلاء على أماكن تعشيشها.
وأضاف، خلال حواره «الوطن»، أن الطائر يتمتع بذكاء اجتماعي كبير ويعيش في مجموعات منظمة، ما يجعل رصده والسيطرة عليه مهمة تحتاج إلى خبرة واحترافية، إلى جانب إزعاجه للسكان بسبب أصواته المرتفعة في بعض المناطق.

رئيس «صيادين المصريين»: تلقينا شكاوي من مزراعين بشأن تأثيره على المحاصيل
وأوضح أن الجمعية رصدت ميدانيًا انتشار الطائر في عدد من المناطق، وتلقت شكاوى متكررة من مزارعين وهواة بشأن تأثيره السلبي على المحاصيل والطيور المحلية، لافتًا إلى أن دور الجمعية يتركز على الرصد العلمي والتوعية والتعامل مع الظاهرة وفق القوانين والضوابط البيئية.
وفيما يتعلق بطرق اصطياده، أوضح «الكراني» أن التجار يعتمدون غالبًا على الشباك غير المرئية والمصايد والأقفاص لجذب الطائر وبيعه حيًا، بينما يستخدم الصيادون المحترفون بالجمعية البنادق الهوائية عالية الدقة، باعتبارها الوسيلة الأكثر أمانًا وفاعلية، لأنها تتيح استهداف الماينا الشائعة دون الإضرار بالطيور المحلية أو البيئة المحيطة.
وأكد أن السبب في ارتفاع أسعار الطائر وزيادة تداوله في الأسواق هو ارتفاع الطلب من بعض الهواة الراغبين في تربيته، إلى جانب سعي بعض التجار لتحقيق أرباح سريعة مستغلين الجدل الدائر حوله، محذرًا من أن التجارة العشوائية في الطيور الغازية قد تؤدي إلى تفاقم المشكلة البيئية، مطالبًا بإحكام الرقابة على الأسواق.
وشدد على أن الصيد المنظم يمثل أحد أهم أدوات مكافحة الماينا الشائعة، مؤكدًا جاهزية الجمعية للمشاركة في جهود المكافحة بالتنسيق مع الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارتا البيئة والتنمية المحلية، لوضع برنامج علمي يحدد بؤر انتشار الطائر وآليات التعامل معها.
وأضاف أن مساهمات الجمعية ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل تنفيذ حملات ميدانية مقننة لتحجيم أعداد الطائر، وتنظيم حملات توعية تستهدف الصيادين والهواة للتعريف بخطورته والتحذير من إعادة تداوله في الأسواق، إلى جانب إعداد تقارير ميدانية توثق أماكن انتشاره وسلوكه العدواني.
وفيما يتعلق بمواجهة انتشاره، أكد «الكراني» على أنها تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة، تقوم على التنسيق بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، والاستفادة من خبرات الصيادين المحترفين في تنفيذ برامج مكافحة علمية ومنظمة للحد من انتشار هذا الطائر الغازي.