«الجوائز لا تصنع كاتبا».. عمار علي حسن يكشف أسرار سيرته الذاتية و«مستقبل الكتابة» (حوار)

كتب: إنجي الطوخي

«الجوائز لا تصنع كاتبا».. عمار علي حسن يكشف أسرار سيرته الذاتية و«مستقبل الكتابة» (حوار)

«الجوائز لا تصنع كاتبا».. عمار علي حسن يكشف أسرار سيرته الذاتية و«مستقبل الكتابة» (حوار)

هو الساحر الذى حول السياسة إلى «حكاية شيّقة» يمكن للقاصي والداني قراءتها دون كلل أو ملل، ولأنه يمتلك مهارات أكروباتية مذهلة لا يجاريه فيها أحد، انتقل من الكتابة في ساحة السياسة إلى ساحة الأدب فأبدع، ثم انتقل إلى ساحة العلوم الاجتماعية فرسم الدهشة على وجه قارئه، ولأنه ساحر لا حدود لقدراته الإبداعية انتقل للكتابة في مجال التصوف ثم النقد الثقافي والأدبي، فنجح في صناعة الكتابة المبهرة، هو الكاتب وأستاذ العلوم السياسية والأديب عمار علي حسن، الذي يجوز أن يلقب بـ«ساحر الكتابة» فينتقل بين دهاليز السياسة والعلوم الاجتماعية والثقافة والأدب بخفة ورشاقة وجمال، حتى صار اسمه علامة مميزة لدى القارئ العربي قبل المصري، يدرك أنّه إذا قرأ له مقالا أو كتابا فهو أمام وجبة شهية دسمة مليئة بالمعلومات والحكايات المبهرة والتفاصيل التي تُشبع العقل والقلب.

ومع صدور مجموعته القصصية الأخيرة «الأرانب الحجرية.. 70 حكاية خرافية»، طرق «عمار» بابا جديدا للكتابة وهو الحكاية الشعبية المصرية التي يقدمها للقارئ بشكل جديد، مزج فيه الخرافة الموجودة في الوعي الشعبي بالعلم متمثلا في البحث عن الأثر الاجتماعي للحكايات الخرافية، بعد أن جمعها من سكان القرى المصرية.

«الوطن» تفتح في السطور التالية أبواب النقاش والجدل مع الكاتب والمفكر، الذي أصدر أكثر من 62 كتابا متنوعا، وتأثير عمله الأكاديمي على حبه للكتابة، وسر اهتمامه بالإنسان المهمش في رواياته، وأثر التحولات الاجتماعية والسياسية على السرد الأدبي المصري، ونظرته للجوائز الأدبية، خاصة أنّه حصد الكثير من الجوائز مثل جائزة الطيب صالح في القصة القصيرة، وجائزة ساويرس في النقد والسرديات الأدبية، وجائزة الدولة للتفوق، وجائزة اتحاد كتاب مصر في الرواية، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة ابن بطوطة في أدب الرحلات، وإلى نص الحوار..

ما الذي دفعك إلى كتابة سيرتك الذاتية؟

كتبت الكثير من الروايات والقصص، لكن ذلك كله لم يمنعني من التفكير في كتابة سيرتي الذاتية، وهدفي شرح نفسي دون حرج أو خجل، ولا لحنين جارف إلى أيام ولت ولن تعود، ولا لمقاومة كل عوامل اليأس والقنوط والإحباط، وتخفيف العبء عن نفسي بنقل تجربتي إلى الآخرين، ربما يجدوا فيها ما يفيدهم أو يمتعهم ويثري عقولهم وقلوبهم.

حياة كل إنسان تجربة تستحق أن تروى، ولكن الفرق بين الكاتب وغيره، هو قدرته على سرد سيرته، فلا يتركها تائهة يتناقلها الناس شفاهة، أو مبعثرة تتهادى أحيانًا في حكايات متناثرة، لا يجمعها خيط واحد، ولا يضمها مسار محكم مرتبط ببعضه البعض.

وهناك بالطبع من يقول إنّ السيرة الذاتية تُكتب في آخر العمر، حيث تكون تجربة الكاتب اكتملت ونضجت، ولكن كما يختلف الكتَّاب في سردهم وطريقة الكتابة يختلفون فى تجاربهم، فهناك تجارب لا يمكن كتاباتها إلا في نهاية العمر، وهناك تجارب تنضج وتفرض نفسها على صاحبها كي يكتبها، وهذا ما حدث معي.

عمار

كتابة سيرتك الذاتية فعل مراجعة للذات.. أم شهادة على زمن؟

كانت الاثنين معًا، فقد قدمت هنا تجربة في الانتصار على الشدائد، بطلها كاتبها، الذي كان طفلًا شبه متوحد، متعثر دراسيًا في سنوات التعليم الأولى، ثم لم يلبث أن تفوق ليشق طريقه في التعليم إلى نهايته، ويكون بوسعه أن يحكي لغيره عن أساتذة وقفوا أمامه، وآخرين قرأ لهم، وعن بسطاء الناس الذين تعلم منهم، وكيف واجه الفقر واليأس والغربة والوقوف على مشارف الموت مرات، وكذلك تجاربه في الأدب والفلاحة والمعمار والصحافة والبحث العلمي والحب والجندية والدراسة والصداقة والزمالة، والكفاح من أجل الحرية والإبداع، والترقي في العيش.

ربما كنت أسترجع العزم القديم في وقت كنت أتعرض فيه لتهميش مقصود، كتبت لأكافح هذا، وأرد على كثير من الأقاويل التي أرادت أن تصورني كمغترب عن مجتمعي، أو أفكر في العالم الافتراضي، وأعتقد أنّ عنوان «مكان وسط الزحام» قد يكون معبرا كثيرًا عن وضعي بين جيله بأكمله، فقد أتيت إلى القاهرة عام 1985 للالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث كنت أخاطب نفسي: لابد أن يكون لك مكان وسط الزحام، وعليك أن تجاهد كي تترك علامة، قبل أن تمضي. وأتذكر أنّني حين أنهيت خدمتي العسكرية لم أعد إلى قريتي حتى لا يأكلني الزمن، إنما نزلت إلى القاهرة، وقلت لها: ها أنا قد عدت، ولن أضيع فيك. وأتصور أنّ كثيرين من أبناء جيلي قد سلكوا التجربة نفسها، في مسارات متعددة بحثا عن التحقق.

عمار

هل شعرت وأنت تكتب سيرتك بأنك تكشف الكاتب أم الإنسان.. أم أن الاثنين لا ينفصلان لديك؟

كان هذا وذاك، فسيرتي تحوي سالف بهجتي، رغم ما فيها من شقاء، وهي التي أمدتني بمخزون وفير لا أزال أنهل منه في أعمالي القصصية والروائية، وحتى في الاستبصار والتأمل الذي يجب أن يتسم به من يؤلف كتبًا في الاجتماع السياسي، فلها فضل عليَّ، فأنا أكتب عما أعرفه وعمن أعرفهم، سواء كانت الكتابة دراسات أو مقالات أو قصص وروايات وأشعار، وأعمال أخرى في النقد والتصوف.

في أعمالك الروائية يظهر الاهتمام بالإنسان المهمّش والقلق الوجودي؟

عشت في الهامش، ولا أزال، ورغم التحقق أعتبر نفسي مواليًا للهامش وأهله، وربما هذا الذي دفعني اليوم إلى الانهماك في تأليف كتاب عن مثقفي الظل، أعتبر أن البسطاء هم الذين يحملون بلدنا على أكتافهم وفوق كفوفهم، بل في عيونهم وقلوبهم، فهم لا يعرفون بلدًا غيره، وإن سعوا في الأرض وراء الرزق فلا ينسونه، وحلم العودة إليهم، يراودهم طوال الوقت.

أما القلق الوجودي الذي يراه البعض في رواياتي فهو أمر طبيعي، إذ أعتبر أنّ الإنسان معذب دومًا، مهما تحقق أو نال من مال أو شهرة أو تمكن، فالأسئلة الكبرى لا تزال معلقة، وعالم الغيب أوسع كثيرًا من عالم الشهادة، والحياة مستديرة، ما إن تنتهي حتى تبدأ، لذا تجد البنية الدائرية موجودة في كثير من رواياتي وقصصي. ونهايات الروايات مفتوحة، لأن هذه هي الحقيقة فنحن نغادر الدنيا ومعنا من الأسئلة أكثر مما بحوزتنا من الإجابات. وفي النهاية المفتوحة احترام لعقل القارئ، فكل يضع هذه النهاية كما يحلو له ويريد، وفق خبرته أو منافعه أو ذوقه.

هل تأتي الفكرة أولًا أم الشخصية؟

يحدث تبادل غالبًا بين الأمرين، فإن وجدت شخصية إشكالية مفعمة بالدراما، أو ذات سمت غريب أو مؤثر، يمكن أن أنسج حولها عملًا كاملًا، مثما جاء في روايات «بيت السناري» و«خبيئة العارف» و«زهر الخريف»، وأحيانًا تولد الفكرة ثم تبحث عن الشخصيات والسياق، مثلما وقع في روايات «شجرة العابد» و«جبل الطير» و«السلفي» و«باب رزق» و«احتياج خاص» و«صاحب السر» و«جدران المدى»، وأحيانًا تكون تجربة ذاتية بحتة مثل روايتي القصيرة «حكاية شمردل»، ويمكن أن تكون تجربة لغيري مثلما جاء في رواية «آخر ضوء» التي نشرت مسلسلة في صحيفة المصري اليوم ولم تنشر ككتاب بعد.

في النهاية، سواء كانت نقطة البداية هي الفكرة أم الشخصية، فالاثنان يحضران معًا، أستفيد من خبرة الواقع، وأضيف إليه من الخيال، ويجري الكل وفق شروط الفن الذي أكتبه، رواية أو قصة أو قصيدة أو مسرحية.

عمار

إلى أي مدى تمثل الرواية لديك.. فعل مقاومة للواقع أم محاولة لفهمه؟

أعتبر الأدب نوعًا من المقاومة بالحيلة، حتى لو كان تأثيره يتم على مهل وفي بطء، لكنه في الغالب يكون راسخًا، الأدب يجعل القارئ يفهم ذاته ومجتمعه والعالم والكون، وهذا الفهم يجعله واعيا بوضعه متطلعا إلى مصيره، وهذا الوعي يغيره فردا تباعا، فإن حدث له هذا نجده يسعى أو على الأقل يتوق إلى تغيير كل ما حوله، وهنا يولد الفعل المقاوم.

أي تأثير يمكن أن يحدثه الأدب في المجتمع؟

غذى الأدب، بطريقة غير مباشرة، الرؤى النقدية عموما، سواء بعرضه وقائع ونماذج بشرية حقيقية أضاف إليها الكتاب الكثير من خيالهم، أو خلقه عالما موازيا. لكن تأثير الأدب في هذه الناحية يتوقف على مدى إطلاع المفكرين عليه، فمن بينهم الذين كان الأدب بمختلف ألوانه يشكل زاوية ينظرون منها إلى الأفكار السائدة، ويدركون حاجتها الدائمة إلى النقد والتطوير، وهناك من اكتفوا برصد جدل الأفكار مع الواقع المعيش، أو أولئك الذين حبسوا أنفسهم في عالم الأفكار، يقدحونه ويقلبونه، ويدفعونه إلى الأمام في رؤى متمردة، أو إلى الخلف من خلال الفكر المحافظ المحمول على أيديولوجيات وتصورات دينية ونزعة تبريرية لاسيما عند المدافعين عن السلطة السياسية.

على مستوى آخر ساهم الأدب في تغذية الفكر الاجتماعي، كأن يستعين الباحث النابه في علم الاجتماع بمختلف فروعه بالسرد القصصي والروائي. ومنذ اعتماد الأدب كأحد روافد التاريخ، ومنه بالطبع تاريخ المجتمع، صار ملهما لبعض الرؤى الخاصة بالفكر الاجتماعي. كما وسعت الدراسات عابرة الأنواع من توظيف الأدب في هذه الناحية، سواء في مصر أو غيرها.

عمار

هل تشعر أنّ الكاتب مطالب بأن يكون شاهدًا على عصره أم صانع عوالم بديلة؟

الكاتب مطالب بالأمرين معًا، فهو شاهد على عصره من خلال الكتابة المباشرة في المقالات الصحفية أو التحليلات السياسية أو التصورات والدراسات الاجتماعية أو التأريخ، إن كان مهتمًا بهذا. وكذلك من خلال الكتابة غير المباشرة التي يحل فيها العصر ضمن سياق عمل روائي أو قصصي. في الوقت نفسه فالكاتب يصنع عالمًا بديلًا، سواء اختلقه كاملًا، موسعًا الطريق لخيال جامح، ورؤية حالمة أو كابوسية، أو التقط أشياء وأشخاصًا وأحداثًا من الواقع وأضاف إليها من خياله.

كيف توازن بين السرد الأدبي والطرح الفكري دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟

وضعتني الظروف في تحدي كتابة ألوان متعددة من النصوص، وأسميها نظرية «الترانزستور»، فالمذياع به عدة محطات تبث على التوازي الموسيقى والغناء، والدراما، والبرامج الثقافية ونشرات الأخبار .. إلخ. المذياع عندي يعمل على التوالى، إذ تعودت منذ شبابي على التقلب بين كتابة ما أحب وما يجب أن أكتبه استجابة لمتطلبات المهنة، أن أنتقل في دقائق بين كتابة قصة إخبارية لوكالة أنباء، أو تحليل سياسي لمركز دراسات، إلى كتابة قصة أو سطور في رواية، ويمكن أن انتقل بعدها إلى مواصلة العمل في دراسة أكاديمية. أعرف أنّ كل لون من الكتابة له طريقته، وتختلف نصوصه. منذ البداية لم أجلس للاختيار بين كل هذا، إنّما اخترتها جميعًا، ولا أزال، والحمد لله أعطيت كل لون حقه، ووفيت بشروطه، على قدر الاستطاعة، وأعتقد أن القراء الذين يتابعون ما أكتب قد أدركوا الفروق، وكثيرون منهم قدروا كل ألوان كتاباتي.

هل الكتابة عندك فعل حرية أم عبء ومسؤولية؟

لا تناقض بين الاثنين، تحضر الحرية كشرط أساسي للكتابة، ويدفعني الشعور برسالة الكاتب أو دوره الاجتماعي والإنساني إلى شعور آخر بالمسؤولية، أما العبء فموجود طوال الوقت، عبء الكتابة نفسها كممارسة شاقة، وعبء الرغبة في أن تصل الكلمة إلى الناس وتؤثر فيهم، وتساهم في تغيير شروط الحياة إلى الأفضل.

ما الثمن الشخصي الذي يدفعه الكاتب في سبيل الاستمرار؟

ثمن كبير، عليه أولًا أن يقرأ كثيرًا، بلا حدود وفي كل اتجاه، وأن يتابع الجديد في كل مجال يكتب فيه، حتى يجود ويجدد. أما ثمن المخاطر التي ترتبها الكتابة فهو يأتي إن كانت تنطوي على نقد للأوضاع السائدة، أو كسر القيود المفروضة على الكاتب من جهات عدة. وهناك أيضًا ثمن الفرصة البديلة، فربما كان يمكن لكل كاتب أن يمتهن مهنة أخرى، تدر عليه عائدًا أكثر من الكتابة بكثير، لكنه يختار الأخيرة عن طيب خاطر، أو يفترض هذا، ويضحي بكل ما يمنعه عن الاستمرار في الإبداع.

تنوّعت كتاباتك بين الرواية والقصة والشعر والمسرح وعلم الاجتماع السياسي والتصوف والنقد الثقافي.. في أي مجال تجد نفسك أكثر تميّزًا؟

لو كان الأمر بيدي لاكتفيت بالأدب، لكن الاستجابة لقول رأي مباشر فيما يجري تدفعني إلى مواصلة المقالة، والدور العلمي أو الأكاديمي يدفعني لكتابة الدراسة المعمقة. ورغم النجاح والتميز في كل هذه الألوان الكتابية، حسب شهادة الناس، فلا يشعرني بالرضاء أكثر سوى الأدب.

كيف ترى نفسك بين: الروائي، والصحفي، والمفكر، والباحث الأكاديمي الحاصل على دكتوراه في القيم السياسية في الرواية العربية، وعالم الاجتماع؟

قبعتي نسجت من خيوط متعددة، أنا أكره من يفعل فعلًا ولا يتقنه، سواء كان حرفة يدوية أو ذهنية أو حتى تلك التي تفيض بها المشاعر، ولهذا إن جلست لكتابة نص أيا كان نوعه، أبذل قصارى جهدي في سبيل أن يخرج على أفضل صورة ممكنة.

عمار

هل أضاف لك العمل الأكاديمي عمقًا في الكتابة الإبداعية أم فرض عليها قيودًا؟

أفرق بين الأمرين، لكن أرى ما بين الكل من تعاون وتواشج وتبادل للمنفعة. فالدراسة الأكاديمية أفادتني ليس فقط في وجود فكرة خلف نصوصي الأدبية، إنما أيضًا في بناء العمل الروائي أو القصصي أو المسرحي، فالبنية بنت المنطق ووليدة التراكم، وهذا مفيد جدًا خصوصًا في الرواية. وأعتقد أنّ كل أديب قد تأثر بخلفياته الدراسية، فالفلسفة حاضرة في نصوص نجيب محفوظ، والدور الفكري التنوير كامن في نصوص طه حسين، ودراسة الطب متجلية في كتابات يوسف إدريس ومحمد المخزنجي، ودراسة الاقتصاد تمثل خللفية ولو رقيقة في كتابات عبدالرحمن منيف، والاهتمام بالموروث الشعبي نجده حاضرًا في نصوص خيري شلبي وشمس الدين الحجاجي وخيري عبد الجواد.

بالنسبة لي أفادتني دراسة العلوم السياسية في فهم السياق الأوسع للصراع الإنساني، وهو مسألة ضرورية للعمل الروائي، والاهتمام بفرع علم الاجتماع السياسي، جعلتني أرى شخصيات أعمالي بطريقة مغايرة، وأرسمها من لحم ودم.

كيف ترى صورة الإنسان المصري في الرواية المعاصرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين؟

هبت رياح هوجاء على الشخصية المصرية، ونعيد ذلك إلى ما بعد الانفتاح والهجرة إلى الخليج ثم أوروبا وغيرها، بعد قرون طويلة من بقاء الإنسان المصري في المكان لا يبرحه، تغيرت الأحوال المادية، وجاء التسلف بمنظومة قيم مغايرة، وجاءت العولمة مع تدفق السلع وثورة الاتصال لتسهم في تشكيل مختلف للشخصية المصرية، وإن احتفظت ببعض ثوابتها الراسخة. والرواية ترصد كل هذا، منذ أن كتب توفيق الحكيم «عودة الروح» وكتب نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة إلى الآن.

- هل تعتقد أن التحولات السياسية والاجتماعية الأخيرة انعكست بعمق على الإبداع الأدبي؟

نعم، أمدت هذه التحولات الأديب بسياق جديد، حافل بشخصيات قد تغيرت، وأحداث جديدة ومختلفة، وصنعت في الوقت نفسه تحديات عميقة، ومواطن معاناة وشقاء، وكل هذا أثر دون شك، على الأدب، على الأقل من حيث المضامين التي يحملها.

عمار

ما الذي شجّعك على تأليف «70 حكاية خرافية» في زمن يبدو بعيدًا عن هذا النوع من السرد؟

تسحرني الحكاية الشعبية، ففي مصر الخيال الشعبي غني جدا لأسباب كثيرة، منها اختلاط الثقافة المصرية بالكثير من الثقافات الأجنبية والعربية على مدار التاريخ، وفي هذه النقطة تتميز مصر مقارنة بأي بلد آخر، لذلك كنت أشعر بشيء من الحزن، عندما أقرأ في كتب الموروثات الشعبية أنّ رواة تلك الموروثات يشتكون من اختفاء طقوس وحكايات شعبية قديمة بفعل الزمن والتطور التكنولوجي.

وكتابي الجديد «الأرانب الحجرية.. 70 حكاية خرافية» بدأت فيه منذ عام 2024، حيث كنت أسعى لكتابة مقترح لبحث الأثر الاجتماعي للحكايات الخرافية، وبدأت أراجع كل ما تمت كتاباته فى هذا الشأن سواء كتب فكرية أو دراسات السابقة، وقتها لاحظت أنّ الحكايات الشعبية وإن كانت موجودة في الأدب المصري ولكنها على استحياء شديد، كما أنها تخلو من أي إبداع، فعلماء الانثربولوجيا والتراث، يدونوها كما هي دون أي محاولة لإضفاء مسحة خيال تجعل المستمع يهيم بها، ولنا في الأديب الدنماركي هانز كريستييان أندرسون أسوة حسنة بما قدمه لنا من حكايات شعبية خرافية كانت للكبار قبل الصغار.

ودفعني البحث إلى جمع الحكايات الشعبية المصرية بالطرق التقليدية من خلال سماع حكايات أهل قريتي والقرى المجاورة وتدوينها، إضافة ما تحفظه ذاكرتي منذ الطفولة، وانتهى البحث ووجدتني أمتلك 70 حكاية خرافية ليست عادية بل تنتمي إلى مدرسة الواقعية السحرية، وقررت أنّ تلك القصص لابد أن يقرأها أفراد المجتمع كافة ويستمتعون بها.

ما أهمية الحفاظ على التراث الشعبي المصري.. وكيف يمكن أن يظل حيًا ومؤثرًا في الواقع المعاصر؟

تمثل الثقافة الشعبية الذاكرة الحية للأمة، فهي نتاج الوعي الجمعي وخيال المجتمع، وتعكس تطلعات الناس إلى الحرية والعدل والحياة الكريمة، ومن ثم، فإن صون هذا التراث ضرورة لا غنى عنها، بينما التفريط فيه خسارة فادحة لذاكرة الشعوب وهويتها، فالثقافة الشعبية تختزن إرثًا غنيًا من الحكم والأمثال، والحكايات والأساطير، والأغاني والمواويل، فضلًا عن الطقوس والعادات التي تصاحب مناسبات الفرح والحزن، بما يجعلها سجلًا حيًا لقيم المجتمع وتاريخه.

عمار

لماذا اهتممت بالتصوف في أعمالك الروائية والقصصية ؟

اهتمامي بالتصوف من زاوية الطرقية، أو الطرق الصوفية، أمر بدأ مع طفولتي في القرية حيث حضرات الذكر والموالد، ثم تعمق مع دراستي للماجستير التي كانت حول «التنشئة السياسية للطرق الصوفية» ثم زحف إلى رواياتي حيث «شجرة العابد» و«جبل الطير» و«خبيئة العارف»، وهناك شخصية صوفية أيضًا في رواية «السلفي» وبعض قصصي القصيرة تناولت هذه العوالم.

لكن لم أقتصر على ذلك إنما كتبت أيضًا الرواية التاريخية، كما في «بيت السناري»، و«ملحمة المطاريد»، وهناك رواية تحت الطبع بعنوان «ترياق عز.. من أيام البيمارستان المنصوري»، وكتبت الرواية النفسية في «أربعون وجها للص واحد»، والرواية الواقعية في «جدران المدى» و«زهر الخريف» و«احتياج خاص»، وفي كثير من رواياتي هناك الواقعية السحرية، سواء توسلت بالتصوف من زاوية كرامات الأولياء والقديسين، أو بالأساطير والخرافات والحكايات الشعبية، وكتبت كذلك الرواية السياسية في «سقوط الصمت» التي جسدت مشهدية ثورة يناير، وهناك الواقعية الفجة أو الرثة في رواية «باب رزق».

هل ترى التصوف موقفًا فكريًا أم ملاذًا روحيًا أم أداة فنية لفهم العالم؟

هو كل هذا في آن، ففيه الكثير من الفكر عن الفهم المغاير للدين والكون وطبائع البشر، وهو ملاذ روحي في وقت توحشت فيه المادة والآلة وسلبت الإنسان الكثير من روحه وأثرت سلبًا على مشاعره، وفي وقت يجري فيه العالم نحو الغابة، مبتعدًا عن السكينة والصفاء والسلام، وهو من حيث عوالمه الخيالية والمتجاوزه والثائرة على الأنماط التقليدية للفهم، يحمل مسارات فنية باذخة، لاسيما من زاوية الخيال الخصب، والمجازات المدهشة.

كيف يمكن للأدب العربي أن يستفيد من تراثه دون أن يظل أسيرًا له؟

في القديم موروث لغوي عفي، وفي التاريخ حكايات تستعاد، وفي الأشكال الفنية القديمة سواء في الشعر أو النثر ما لا يزال قادرًا على العطاء والإبهار، وكل هذا يمكننا الاستفادة منه، دون الركون كلية إليه بالتقليد والمحاكاة، إنما التجديد المستمر، وإبداع القوالب الفنية الملائمة لزماننا.

كيف تقيّم المشهد الثقافي العربي حاليًا بين وفرة النشر وتراجع القراءة؟

ليس كل ما ينشر جيدًا، فهناك فوضى في سوق النشر، لكن بين هذا الغثاء من السيل هناك أعمال لافتة في كل مجال، والقارئ تأثر بوجود مصادر أخرى للمعرفة وفرها الإنترنت، وارتفاع ثمن الكتاب، وتقييم حجم المقروئية لا يجب أن يقتصر على عدد الكتب الورقية المباعة، فكثيرون من أبناء الجيل الجديد يفضلون الكتاب الإلكتروني، المقروء والمسموع.

إلى أي مدى ترى أنّ المؤسسات الثقافية تدعم الكاتب الحقيقي؟

علينا أن نفرق هنا بين المؤسسات الثقافية الخاصة والحكومية، فالأولى بها من لا يقبل نشر سوى الكتاب الجيد، ومنها ما ينشر أي شيء لقاء دفع المؤلف مبلغًا من المال، وهي ظاهرة مؤسفة. أما الحكومية فهي تنشر أعمالًا جيدة، لكن بعض ما تنشره يخضع لقانون الترضيات، أو محاولة الحكومة استيعاب بعض الكتاب. في وسط كل هذا يكون على الكاتب الحقيقي تحدٍ كبير، فهو في حاجة إلى أن تكون له قاعدة من القراء، حتى لا يجد عسرًا في نشر أعماله. في العموم فالكاتب الحقيقي هو من يسعى إلى الحقيقة، وهذه مقلقة للسلطة والمجتمع، ولذا قد يواجه صعوبات في الوصول بما كتب إلى الناس إلا بجهد جهيد.

هل الجوائز الأدبية تؤثر في مسار الكاتب أم في مسار الكتاب فقط؟

الجوائز لا تصنع كاتبًا، إلا إذا كان أصيلًا وجديرًا بها، وهي هنا لا تضيف إليه، بل إن بعض الجوائز تتشرف بمنحها إلى الجديرين بها. الجوائز ليست معيارًا لشيء، فهناك أعمال لي أراها قوية جدًا وقدمتها لجوائز ولم تحصدها، وأخرى أقل منها حصدت جوائز. وقد عودت نفسي ألا أكتب للجوائز لأن هذا كفيل بتدمير مشروع أي كاتب، أكتب ما أريد، لأن في رأسي شيء يريد أن يخرج، أو مسار أسعى فيه، وإذا لاحت مسابقة أتقدم إليها، ولأني أحاول دومًا إتقان عملي فبعضه يحصل على تكريم من هنا أو هناك. لقد حصلت على جوائز عديدة، في الأدب والعلوم الإنسانية، منها جوائز محلية وأخرى عربية ودولية، لكن جائزة الكاتب هي أن يجد قراء واعين لإنتاجه، وأن يقدم لمجتمعه ما يفيده.

هل يشعر الكاتب اليوم بالعزلة أكثر أم بالانكشاف الزائد في عصر السوشيال ميديا؟

في كل الأحوال الكاتب في حاجة إلى عزلة، فالقراءة الجادة والكتابة المتجددة يحتاجان إلى عدم الانغماس الاجتماعي الشديد، وما شعره الكاتب حيال السوشيال ميديا ليست العزلة إنما الغبن والحسرة، وهو يرى منتجي المعرفة السطحية يسيطرون على المشهد، ويسرقون تباعًا أدوار الكتاب أو المثقفين.

عمار

هل ما زال نجيب محفوظ حاضرًا في وجدان الأجيال الجديدة من الكُتاب؟

ما تركه محفوظ هو أدب إنساني، سيظل قادرًا على الإمتاع والإفادة دون انقطاع، والجيل الجديد لا يستطيع أن يبرح محفوظ، سواء تأثر بأساليبه الفنية، أو تمرد عليها، وهذا حقه. من بيننا مع يتعامل مع محفوظ وفق نظرية «قتل الأب»، لكنني من الذين يؤمنون بأنّ الأبناء عليهم الإضافة إلى ما تركه الآباء، وألا يصادروا حق الأحفاد في إضافة أخرى.

ماذا يمثّل معرض القاهرة الدولي للكتاب لك على المستوى الشخصي والمهني؟

على مدار سنوات طويلة كان معرض القاهرة الدولي للكتاب عيدًا للثقافة، وليس مجرد سوق بضاعته الكتب ووسائل أخرى تستجيب لطلب الراغبين في المعرفة، لكنه في السنوات الأخيرة تحول إلى فعل بيروقراطي باهت، أشبه بالموالد التي لا تتغير طقوسها، ولاسيما مع انحراف النقاش عن القضايا الحقيقية التي تشغل الناس، وكذلك مع استبعاد بعض الأسماء التى كان يمكن أن تعطي المناقشة حيوية، وفي ظل تخمة من ندوات متوازية، قد توحي بالتعددية، لكنها في حقيقتها أقرب إلى ثرثرة تصنع ضجيجًا يكاد ألا يتبين منه صوت واضح لمعنى أو فكرة أو قيمة أو ذوق.

كيف ترى دوره اليوم في ظل التحولات الرقمية وتغيّر عادات القراءة؟

هو يحاول ألا يفقد دوره، ولذا يواكب على قدر الاستطاعة هذه التحولات الرقمية، وعلى القائمين عليه من مسؤولين وناشرين أن يدركوا تغير عادات القراءة، ويستجيوا لها.

عمار

هل ما زال المعرض قادرًا على تقديم الكاتب الحقيقي بعيدًا عن منطق «الأكثر مبيعًا»؟

هو يقدم الاثنين، فالناشر في النهاية يرفع شعار «تجارة ثم تجارة ثم تجارة ثم صناعة ثم رسالة»، وعذره في هذا أنّ رواج البيع يساعده على الاستمرار. ووسط هذه المعادلة يقدم أيضًا كتابًا حقيقيين، فكثير من دور النشر الجادة تحرص على أن تظهر كتب أدباء ومفكرين راسخين ضمن أعمالها، وتعتبر هذا من أسباب تميزها، ومناط فخرها.

ما الذي ينقص معرض الكتاب ليكون أكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي الثقافي؟

يحتاج المعرض إلى عدم الارتكان إلى ملء أوقات الندوات بكلام عابر، إنما مناقشة القضايا المهمة المطروحة على الساحة التي تشغل الناس، وتسهم في النهوض والتقدم، والمثقف عليه ألا يكبح جنانه، ويلجم لسانه، ويعمل على استعادة صورته التي تراجعت في المجتمع، بعد فقدان دوره كصوت عام معبر عن هموم الشعب.

لمن يكتب عمّار علي حسن اليوم: للقارئ أم للتاريخ؟

الكتابة دائي ودوائي، لذا أكتب بحثًا عن شفاء لنفسي، إن لم يكن هناك قارئ، لكن، لأن لي قراء والحمد لله، أكتب لهم بالطبع، وأحاول توسيع دائرتهم، ويسعدني دومًا أن أتلقى أسئلة من قراء على مواقع التواصل الاجتماعي عن جديد كتاباتي. في الوقت نفسه لا أنكر أنني اهتم ببقاء ما أكتبه أو بعضه بعد رحيلي، يمتع ويفيد، ويغلب النسيان.

ما الذي يقلقك أكثر: مستقبل الكتابة أم مستقبل القراءة؟

الاثنان مرتبطان، لكن المسؤولية الأكبر، والتعويل الأساسي، هو على مستقبل الكتابة، فطالما كان الناس يرون فيها ما يبحثون عنه، ستظل القراءة جارية سارية.