نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القاهرة لـ«الوطن»: لا نحتاج قوانين جديدة لحماية المدنيين ويجب تطبيق ما تعهدت به الدول

كتب: منى السعيد

نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القاهرة لـ«الوطن»: لا نحتاج قوانين جديدة لحماية المدنيين ويجب تطبيق ما تعهدت به الدول

نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القاهرة لـ«الوطن»: لا نحتاج قوانين جديدة لحماية المدنيين ويجب تطبيق ما تعهدت به الدول

تصوير: محمد خزعل

في وقت يعيش فيه العالم، ومنطقتنا العربية، نزاعات قاسية ومستمرة منذ سنوات؛ يظهر دور المؤسسات والمنظمات الدولية التي تعمل على مساعدة المدنيين وتوثيق الانتهاكات والأزمات التي يعاني منها المدنيين، ومن أبرز تلك المنظمات منظمة الصليب الأحمر الدولية التي تعمل في أكثر من 100 دولة منذ إنشائها عام 1863.

بعد أسابيع قليلة من تعيين نائب رئيس بعثة الصليب الأحمر بالقاهرة «غي بروينينكس» حاورته «الوطن» حول الدور المحوري والإقليمي الذي تلعبه مصر كركيزة أساسية للعمل الإنساني في المنطقة، وهو ما تجسد في الشراكة الاستراتيجية مع الهلال الأحمر المصري الذي كان الشريك الأساسي في عدد من العمليات الانسانية داخل قطاع غزة لمواجهة الوضع الصحي المتدهور.

في هذا الحوار، ندخل في تفاصيل الوضع الإنساني داخل قطاع غزة، ويكشف لنا عن الصعوبات الكبيرة التي تواجه تشغيل المستشفى الميداني للصليب الأحمر في رفح، وحاجة الأهالي الماسة لـ"البلدوزرات" والمعدات الثقيلة لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، بالإضافة إلى خطط الطوارئ لمنع انتشار الأوبئة والأمراض.

وتحدث المسئول الدولي عن «الأزمة المالية الكبيرة» التي تهدد العمل الإغاثي في العالم كله، ووجه عبر «الوطن» رسالة واضحة وصارمة لكل أطراف الحروب بضرورة احترام القوانين الدولية وحماية المدنيين، وإلى نص الحوار:

مستر غي

في ظل تزايد حدة الأزمات وتصاعد النزاعات في المنطقة، كيف تقيمون دور القاهرة كمركز إقليمي للعمليات الإنسانية؟

تلعب مصر دورا محوريا هاما باعتبارها مركزا إقليميا في التعامل مع النزاعات المسلحة في المنطقة، كما تضطلع بدور حيوي في الجهود الرامية إلى التخفيف من معاناة المدنيين المتضررين من هذه النزاعات، منذ اندلاع الحرب في غزة، من خلال تسهيل إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وهو ما يُعرف بـ«الممر المصري»، وتتم هذه الجهود بالتعاون الوثيق مع جمعية الهلال الأحمر المصري.

ونحن في اللجنة الدولية للصليب الأحمر نُقدر ونثمن الجهود الدبلوماسية التي تبذلها مصر في هذا الإطار، وقد برز هذا الدور بوضوح من خلال جهودها في الوساطة لوقف الحرب في قطاع غزة، من خلال استضافتها قمة السلام في شرم الشيخ، التي مثلت محطة مهمة في المساعي الدولية لاحتواء الأزمة.

ولا يقتصر دور القاهرة على المستوى الإقليمي، بل يمتد أيضًا إلى الساحة الدولية، فمصر تُشارك بفاعلية في المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني، وهي مبادرة أطلقتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع 6 دول من مختلف أنحاء العالم، وتهدف إلى تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني وتطوير آليات تنفيذه.

وتضم المبادرة 7 مسارات عمل، وتتولى مصر مع إندونيسيا رئاسة المسار السابع المعني بالحرب البحرية، وهو ما يعكس المكانة التي تحظى بها على المستوى الدولي في هذا المجال.

ذكرتم أن مصر تتشارك في رئاسة المسار السابع ضمن المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني، ما طبيعة هذا الدور؟ وما الذي يتضمنه هذا المسار؟

هذه المبادرة تتضمن 7 مسارات عمل تقنية تهدف لتقديم توصيات عملية لتعزيز حماية المدنيين، وتتشارك مصر في رئاسة المسار السابع المعني بـ«الحرب البحرية» لضمان تطبيق القواعد القانونية في النطاقات البحرية المعاصرة.

وتعمل مصر مع الدول المشاركة على قيادة النقاشات وصياغة توصيات عملية وقابلة للتنفيذ تهدف إلى تعزيز احترام وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني في العمليات البحرية.

وبشكل عام، فإن الهدف الأساسي للمبادرة هو أن تُثمر عن توصيات ملموسة تلتزم بها الدول، بما يسهم في تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني وتحسين حماية المدنيين المتضررين من النزاعات المسلحة في مختلف أنحاء العالم.

الصليب الأحمر

ما طبيعة التعاون بين بعثتكم والهلال الأحمر المصري في إدارة الأزمات الإقليمية؟

تُعد جمعية الهلال الأحمر المصري الشريك الإنساني الأساسي للجنة الدولية للصليب الأحمر في مصر، وتؤدي دورًا بالغ الأهمية في تنسيق وتنفيذ العمليات الإنسانية، سواء فيما يتعلق بالاستجابة في قطاع غزة أو غيرها من الأزمات الإنسانية في المنطقة.

وبالتنسيق مع الهلال الأحمر تعبر «المئات والمئات» من اشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية من مصر إلى قطاع غزة بشكل منتظم، إلى جانب تنفيذ عمليات إنسانية ولوجستية متخصصة.

وتتنوع مجالات تعاوننا مع جمعية الهلال الأحمر المصري، ومنها العمل على إعادة الروابط الأسرية، من خلال المساعدة في إعادة فتح قنوات التواصل بين أفراد العائلات التي تشتت بسبب النزاع في قطاع غزة، وذلك بالتنسيق مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.

وفي أبريل الماضي، كان هناك تعاون في نقل معدات وتجهيزات للمستشفى الميداني في قطاع غزة عبر رحلة بدأت من نيروبي في كينيا إلى القاهرة، ثم إلى العريش، قبل إدخالها إلى القطاع، في عملية نُفذت بتنسيق كامل بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر المصري.

ويشمل التعاون برامج التدريب على التأهب والاستجابة لحالات الطوارئ، إلى جانب تنظيم أنشطة تهدف لتعزيز ونشر المعرفة بالقانون الدولي الإنساني، بما يسهم في تعزيز الاستجابة الإنسانية في أوقات الأزمات.

نائب رئيس البعثة الدولية للصليب الأحمر الورقي

هل اقتصر تعاون اللجنة الدولية والهلال الأحمر المصري على الاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، أم امتد للتعامل مع أزمات أخرى؟

لا، التعاون ممتد ليشمل الاستجابة للأزمة في السودان أيضًا، خاصة في بدايتها، وعلى الحدود الجنوبية لمصر، حيث يستقبل أفراد الهلال الأحمر الوافدين واللاجئين القادمين من السودان عبر المعابر الحدودية، وتقدم لهم الدعم الإنساني الأولي.

ويجري ذلك بالتنسيق بين السلطات المصرية، وجمعية الهلال الأحمر المصري، لضمان تقديم الخدمات الإنسانية الأساسية للوافدين، بما في ذلك الدعم والإغاثة الأولية، والاستجابة لاحتياجاتهم الإنسانية فور وصولهم إلى الأراضي المصرية.

*مع تزايد حدة «الحروب والنزاعات في المنطقة والعالم»، كيف تُقيمون مستوى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني في النزاعات الحالية؟ وماهى أبرز التحديات التي تواجه تطبيق هذا القانون على الأرض؟

يشهد العالم اليوم نحو 130 نزاعًا مسلحًا، وليس فقط الشرق الأوسط، ورغم وجود إطار واضح يحكم النزاعات المسلحة متمثل في اتفاقية جنيف، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص نصوص القانون، وإنما في مدى الالتزام بتطبيقها واحترامها.

ويمكن إرجاع ضعف الالتزام بالقانون الدولي الإنساني إلى عاملين رئيسيين. الأول هو عدم كفاية تطبيق الدول لأحكام القانون على أرض الواقع، والثاني يتمثل في وجود تفسيرات متساهلة أو فضفاضة لبعض قواعده، بما يسمح أحيانًا بتبرير بعض الانتهاكات.

وكغيره من القوانين، يظل القانون الدولي الإنساني قابلًا للتفسير والتأويل، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى توظيفه بصورة تخدم مواقف بعض الدول.

في ظل التحديات التي ذكرتموها، ما الذي تستطيع اللجنة الدولية للصليب الأحمر القيام به لمواجهة هذه التحديات وتعزيز احترام قواعد القانون؟

كما سبق وذكرنا، أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع 6 دول المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني عام 2024.

هذه المبادرة ليست رد فعل مباشر على النزاعات الحالية، وإنما جاءت بسبب الحاجة إلى تعزيز الالتزام السياسي للدول بتطبيق القانون الدولي الإنساني بصورة أكثر فاعلية.

ومن المقرر أن تُختتم أعمال المبادرة بعقد مؤتمر رفيع المستوى في العاصمة الأردنية عمان خلال شهر ديسمبر المقبل، حيث ستجتمع الدول المشاركة لمناقشة واعتماد الصيغة النهائية للتوصيات التي خرجت بها مسارات العمل المختلفة.

وأود أن أجدد الإشادة بالدور القيادي الذي تضطلع به مصر في هذه المبادرة، وما تقدمه من إسهامات مهمة في دعم الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني.

القانون الدولي الانساني (رمزية)

هل تلك التوصيات ستكون مُلزمة للدول الموقعة عليها؟

إذا كنا نتحدث عن إلزام الدول، فهي في الأساس ملتزمة بالفعل، لأنها صدقت على اتفاقيات جنيف التي تُعد الركيزة الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وبالتالي، فإن الالتزام القانوني قائم من خلال هذه الاتفاقيات.

وما نقوم به في إطار هذه المبادرة ليس فرض التزامات جديدة على الدول، وإنما تذكيرها بالتزاماتها القائمة، عبر تقديم توصيات عملية وملموسة وقابلة للتنفيذ، تؤكد أن المطلوب هو تطبيق ما سبق أن وافقت عليه الدول عند توقيعها على الاتفاقيات.

ويجب التأكيد على أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لا تمتلك سلطة إجبار الدول على التنفيذ، فنحن لسنا شرطة أو جهة انفاذ قانون، وإنما يتمثل دورنا في تذكير تلك الدول بالتزاماتها القانونية، وتشجيعها على الوفاء بها واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

هل ترون أن الحروب الحديثة، خاصة مع استخدام التكنولوجيا، تفرض الحاجة إلى تطوير نصوص القانون الدولي الإنساني؟

في الواقع، يتضمن القانون الدولي الإنساني بالفعل آليات للتعامل مع التطورات العسكرية. فعلى سبيل المثال، تنص المادة (36) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على أن أي دولة تطور أو تعتمد سلاحًا أو وسيلة أو أسلوبًا جديدًا في القتال، يقع على عاتقها واجب مراجعة مدى توافقه مع أحكام القانون الدولي الإنساني قبل استخدامه.

وبالتالي، فإن المسئولية الأولى في التعامل مع التقنيات الحديثة، بما فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تقع على عاتق الدول لضمان عدم تعارض استخدامها مع القواعد الإنسانية القائمة.

أما مسألة تعديل القانون الدولي الإنساني نفسه، فهي ليست من اختصاص اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وإنما تعود في المقام الأول إلى الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، باعتبارها الجهة التي أقرت هذه الاتفاقيات وتمتلك صلاحية اقتراح تعديلها أو تطويرها.

ودورنا يتمثل في تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني، ومتابعة تطبيقه، وتذكير الدول بالتزاماتها، وليس سن قواعد قانونية جديدة.

في ظل الصراعات المتصاعدة في العالم هل تعتقدون أن التزام اللجنة الدولية بمبدأ «الحياد والسرية» لا يزال كافيًا لضمان فاعلية العمل الإنساني، أم أن الواقع يفرض إعادة النظر فيه؟

الحياد والسرية ركيزتان أساسيتان في عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكن لكل منهما دور مختلف. فالحياد بالنسبة لنا ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة تمكننا من أداء مهامنا الإنسانية.

فمن خلال التزامنا بالحياد نستطيع الوصول لجميع الأطراف، والتحدث مع الجميع، وعبور خطوط النزاع، والوصول للمناطق المتضررة لتقديم المساعدة للمدنيين. وهذا الحياد هو الأساس الذي يبني الثقة بيننا وبين الحكومات والأطراف المنخرطة في النزاع، وكذلك مع المجتمعات التي نخدمها. ومن دونه، لن يكون بإمكاننا القيام بعملنا الإنساني أو الوصول إلى من هم في أمسّ الحاجة للمساعدة.

الصليب الأحمر

وماذا عن مبدأ السرية؟

السرية أيضا عنصر جوهري يضمن استمرار عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مناطق النزاع، فهي تمنح جميع الأطراف التي نتواصل معها، سواء كانت حكومات أو سلطات أو أفراد أو مستفيدين، الثقة في أن المعلومات التي يشاركونها معنا ستظل سرية ولن يتم الكشف عنها أو تداولها مع أطراف أخرى.

هذه الثقة تتيح لنا الحفاظ على قنوات الحوار مع مختلف الأطراف، بما يخدم في النهاية حماية المدنيين وتحسين وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين، وقد أثبت هذا النهج فعاليته على مدار أكثر من 160 عاما منذ إنشاء المنظمة.

أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر فتعتمد على السرية كجزء من منهجها الإنساني، وهو ما مكنها من الحفاظ على إمكانية الوصول إلى أماكن تعجز منظمات أخرى عن العمل فيها، والاستمرار في أداء دورها الإنساني لصالح المتضررين من النزاعات المسلحة.

أما بالنسبة لنشر تقارير عن الانتهاكات أو الأزمات، فنحن نري يوميًا أن هناك منظمات داخل منطقة نزاع، بمجرد نشر تقاريرها عن الأحداث قد يجعلها تفقد قدرتها على العمل في تلك المنطقة لاحقًا.

ألا يُعرضكم هذا للانتقادات من جميع الأطراف؟

بالتأكيد، نحن ندرك أن تلك المبادئ قد يكون من الصعب استيعابها في أوقات الحروب والنزاعات، فعندما يعيش الناس تحت القصف أو في خضم نزاع مسلح، يكون من الطبيعي أن يتساءلوا عن موقف أي جهة تعمل على الأرض، وقد يعتقد البعض أننا ننحاز إلى طرف دون آخر. لكن هذه التحديات لم تمنعنا من مواصلة عملنا الإنساني على مدار عقود.

لكن على أرض الواقع، تلك المبادئ هي التي جعلتنا نستمر في أداء مهامنا طوال هذه السنوات، لأنه الأساس الذي نبني عليه الثقة مع جميع الأطراف.

ومن خلال هذه الثقة نستطيع الوصول إلى المتضررين، والحفاظ على الحوار مع مختلف الأطراف، والاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية لمن يحتاجها، بغض النظر عن هويته أو انتمائه.

لذلك رغم ما نواجهه من انتقادات أو سوء فهم في بعض الأحيان، فإننا نتمسك بهذا النهج لأنه يظل الوسيلة الأكثر فاعلية لتمكيننا من أداء رسالتنا الإنسانية والوصول إلى الأشخاص المتأثرين بالنزاعات.

إذا.. كيف تحافظون على ثقة المجتمعات المتضررة في ظل هذه التحديات؟

«أسهل وأبسط» وسيلة أمام تلك المجتمعات هي التواصل معنا بشكل مباشر، فاللجنة الدولية للصليب الأحمر تعمل في أكثر من 100 دولة حول العالم، وفرقها موجودة بالقرب من المجتمعات المحلية، لذلك نسعى دائمًا إلى أن نكون متاحين ويمكن الوصول إلينا بسهولة.

إلى جانب التواصل المباشر، نوفر عددا من القنوات التي تتيح للأفراد تقديم استفساراتهم أو شكاواهم، مثل المنصات الإلكترونية، والخطوط الساخنة، كما يمكنهم التواصل عبر الجمعيات الوطنية للهلال الأحمر أو الصليب الأحمر في بلدانهم.

وهناك أيضا آليات تتيح رفع الشكاوى إلى المقر الرئيسي للجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف إذا استدعى الأمر ذلك.

لكن في النهاية، يظل التواصل المباشر هو الوسيلة الأكثر فاعلية بالنسبة لنا، لأننا نؤمن بأهمية الحوار والاستماع إلى الناس، ونرحب دائمًا بالتحدث مع أي شخص لديه استفسار أو ملاحظة بشأن عملنا.

الصليب الأحمر

تدير اللجنة مستشفى ميدانياً في رفح بقطاع غزة، ما هي طبيعة الضغط اللوجستي والطبي الذي يواجهه هذا المستشفى؟

يعمل المستشفى الميداني في ظروف بالغة الصعوبة، رغم أنه تم رفع سعته من 60 إلى 72 سريرًا، وهو رقم ضئيل للغاية، فهو يقدم مجموعة واسعة من الخدمات تشمل علاج الإصابات طويلة المدي، ورعاية الأطفال، والخدمات الطبية والجراحية، إلى جانب خدمات التأهيل. لكن حجم الاحتياجات يفوق بكثير قدرته الاستيعابية، في ظل الأعداد الكبيرة من المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية.

وتزداد التحديات بسبب الظروف المحيطة، مثل محدودية الوصول إلى المياه، وضعف خدمات الصرف الصحي، وغيرها من الصعوبات اللوجستية التي تؤثر على سير العمل اليومي داخل المستشفى. كما أن هناك آلاف المرضى على قوائم انتظار الإجلاء الطبي أو الحصول على رعاية متخصصة، وهو ما يجعل من المستحيل عمليًا أن يتمكن مستشفى ميداني، مهما بلغت إمكانياته، من تلبية الاحتياجات الصحية لسكان منطقة بأكملها.

بالإضافة للمستشفى الميداني، هل لديكم برامج مساعدات أخرى في قطاع غزة؟

أعتقد أن أكثر ما تحتاجه غزة حاليًا هو السلام، أما بالنسبة لعملنا في القطاع، يظل المستشفى الميداني التابع للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في رفح أحد المكونات الأساسية لاستجابة اللجنة الدولية، إذ يدعم نظامًا صحيًا يعاني من ضعف شديد. ومنذ افتتاحه، أجرى المستشفى أكثر من 11,300 عملية جراحية، وقدم أكثر من 250,000 استشارة طبية.

تعمل اللجنة الدولية بالتعاون مع الدفاع المدني على تسهيل انتشال الرفات البشرية من تحت الأنقاض، بما يساعد العائلات على معرفة مصير أحبائها ويضمن التعامل مع الموتى بما يحفظ كرامتهم، بالشراكة مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، تنفذ اللجنة الدولية أنشطة للتوعية بمخاطر الذخائر غير المنفجرة.

تعمل اللجنة الدولية على إعادة تأهيل آبار المياه ودعم إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، تدعم اللجنة الدولية المخابز والمطابخ المجتمعية التي تقدم الغذاء للسكان النازحين.

لكن حجم الاحتياجات يفوق بكثير الإمكانات المتاحة في ظل الظروف الحالية. لذلك، فالأولوية اليوم ليست فقط تقديم المساعدات، بل أيضًا ضمان وصولها. وما نحتاجه بشكل عاجل هو السماح للقوافل الإنسانية، سواء التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر أو لجمعيات الهلال الأحمر، بالوصول إلى غزة دون عوائق حتى تتمكن من إيصال المساعدات الإنسانية لمن يحتاجونها.

الصليب الأحمر

هل وضعت اللجنة خطط طوارئ للتعامل مع مخاطر انتشار الأوبئة أو التلوث في غزة، واحتمال امتدادها للمناطق المجاورة؟

لا شك أن تدهور الأوضاع المعيشية في غزة، إلى جانب الأضرار التي لحقت بخدمات المياه والصرف الصحي، يزيد من مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض. ولذلك، تتابع اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذا الملف بشكل مستمر، بالتنسيق مع السلطات المعنية في غزة، كما لدينا خطط طوارئ للتعامل مع أي تطورات أو مخاطر صحية قد تنشأ نتيجة هذه الظروف.

أما فيما يتعلق باحتمال انتقال الأوبئة أو الأمراض للدول المجاورة، فنحن نعتبر هذا الاحتمال محدودًا في الوقت الحالي، نظرًا للقيود الكبيرة المفروضة على حركة الأشخاص والتنقل عبر الحدود بسبب الأزمة القائمة.

بالنسبة للجنة الدولية للصليب الأحمر.. كيف تؤثر التحديات الاقتصادية العالمية على تمويل العمليات الإنسانية؟

اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تكن بمعزل عن الأزمة المالية التي واجهها القطاع الإنساني خلال الفترة الماضية، فمثلها مثل العديد من المنظمات الإنسانية، واجهت تحديات كبيرة على مستوى التمويل، نتيجة تراجع مساهمات بعض الدول المانحة والضغوط الاقتصادية العالمية.

وفي مواجهة هذه التحديات، نسعى إلى تحقيق قدر من التوازن في الميزانية من خلال تشجيع دول مانحة أخرى على زيادة مساهمتها عندما تنخفض مساهمات بعض الأطراف.

لكن الواقع أن الوضع المالي لا يزال صعبًا، ليس فقط بالنسبة للجنة، وإنما أيضًا للدول المانحة نفسها، التي تواجه بدورها تحديات اقتصادية تؤثر على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.

ونأمل أن تُمثل المبادرة العالمية للقانون الدولي الإنساني رسالة تذكير للمجتمع الدولي بأهمية الدور الذي تؤديه اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مناطق النزاع حول العالم، وأن تسهم في تشجيع مانحين جُدد على دعم عمل اللجنة، وفي الوقت نفسه تحفز الدول المانحة الحالية على زيادة مساهماتها، بما يضمن استمرار تقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

ما الرسالة التي تودون توجيهها للأطراف المتحاربة وللرأي العام؟

رسالتنا إلى جميع الدول واضحة، لقد وقعتم على اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها، وبالتالي فإن احترام القانون الدولي الإنساني وتنفيذ أحكامه ليس خيارًا، بل هو مسئولية قانونية وواجب يقع على عاتقكم.

وما نطلبه اليوم ليس توقيع اتفاقيات جديدة، وإنما الوفاء بالالتزامات التي تعهدتم بها بالفعل.

«وكما نقول دائماً بأن حتى الحروب لها قيود، ولا ينبغي أن يعاني المدنيون من جراء هذه الحروب».