تحديات «ميسي»

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

كان مجرد طفل صغير في مدينة روزاريو الأرجنتينية يحمل حلماً يبدو أكبر من جسده.

كان يعشق الكرة منذ سنواته الأولى، لكن في العاشرة من عمره اكتشف الأطباء أنه يعاني من نقص هرمون النمو، وهو اضطراب يؤدي إلى بطء النمو مقارنة بأقرانه إذا لم يُعالج.

إنه «ميسي» الأسطورة التي هي محور حديث العالم الآن، كان العلاج متاحاً، لكنه مكلف للغاية، إذ احتاج إلى حقن هرمونية منتظمة لسنوات، وهو ما لم تكن أسرته قادرة على تحمله.

حاول نادي نيولز أولد بويز، الذي بدأ فيه «ميسي»، المساعدة، لكن الإمكانات كانت محدودة، كما لم ينجح انتقاله إلى أحد الأندية الكبرى في الأرجنتين بسبب التكلفة، في تلك اللحظة بدا أن حلم الطفل الصغير قد ينتهي قبل أن يبدأ، لكن القدر كان يخبئ له فرصة غيرت تاريخ كرة القدم، وصلت موهبته إلى كشافي برشلونة، فسافر وهو في الثالثة عشرة من عمره إلى إسبانيا لخوض فترة اختبار.

لم يكن أطول الأطفال، ولم يكن أقواهم بنية، لكن الكرة عندما وصلت إلى قدميه جعلت الجميع ينسى حجمه تماماً، تقول الرواية إن المدير الرياضي كارليس ريكساش اقتنع بموهبته إلى درجة أنه كتب موافقته على التعاقد معه على منديل ورقي، قبل استكمال الإجراءات الرسمية لاحقاً، وافق برشلونة على تحمل تكاليف علاجه بالكامل، وانتقلت الأسرة إلى إسبانيا لتبدأ رحلة جديدة.

ومع استمرار العلاج والتدريب، نما «ميسي» حتى بلغ طوله نحو 170 سنتيمتراً، وهو طول أقل من كثير من لاعبي كرة القدم المحترفين، لكنه لم يعد يمثل عائقاً، بل على العكس، تحول ما اعتبره البعض نقطة ضعف إلى أحد أسرار تفوقه.

فقد منحه مركز ثقله المنخفض قدرة استثنائية على تغيير الاتجاه بسرعة، والحفاظ على توازنه أثناء المراوغة، والسيطرة على الكرة في المساحات الضيقة، وهي الصفات التي أصبحت علامته المميزة، لم ينتصر «ميسي» على مرضه فقط، بل انتصر أيضاً على الأحكام المسبقة التي ربطت النجاح في كرة القدم بالقوة البدنية والطول الفارع، أثبت أن الإرادة والموهبة والعمل المستمر يمكن أن تهزم القيود التي يفرضها الجسد.

التحدي الثاني لم يكن تحدياً بيولوجياً جسدياً، بل كان نفسياً، ففي صيف عام 2021، واجه «ميسي» واحدة من أصعب الفترات النفسية، فعلى الرغم من أنه كان أسطورة برشلونة بلا منازع، ظل قطاع من الجماهير والإعلام الأرجنتيني يطارده باتهام واحد: «لقد فعل كل شيء لبرشلونة، لكنه لم يفعل شيئاً للأرجنتين».

كانت المقارنة قاسية، فقد ظل المنتخب الأرجنتيني يخسر نهائياً تلو الآخر، بداية من كأس العالم 2014 ثم نهائيي كوبا أمريكا 2015 و2016، ومع كل إخفاق، كانت سهام النقد تتجه إليه وحده، حتى وصل الأمر إلى أن أعلن اعتزاله اللعب الدولي عقب خسارة نهائي كوبا أمريكا 2016 أمام تشيلي، لكن الاعتزال لم يدم طويلاً. عاد «ميسي» لأنه شعر أن قصته مع المنتخب لم تنتهِ بعد، وأن الهروب ليس الحل. بدأ رحلة جديدة، أكثر نضجاً وهدوءاً، واضعاً هدفاً واحداً أمام عينيه: أن يمنح الأرجنتين اللقب الذي طال انتظاره، في عام 2021 جاء أول الانتصارات الكبيرة، عندما قاد منتخب بلاده للفوز بكوبا أمريكا على حساب البرازيل في ملعب ماراكانا، منهياً صياماً دام 28 عاماً عن الألقاب.

لم يكن ذلك مجرد كأس، بل كان لحظة تحرر نفسي لـ«ميسي» ولجيل كامل من الجماهير، ثم جاءت كأس العالم 2022 لتكتب الفصل الأعظم. قدّم «ميسي» بطولة استثنائية، وسجل في جميع الأدوار الإقصائية تقريباً، وقاد الأرجنتين إلى النهائي قبل أن يتوج بالكأس الأغلى بعد واحدة من أعظم المباريات في تاريخ المونديال أمام فرنسا. وفي عام 2024 أضاف لقباً جديداً بالفوز بكوبا أمريكا مرة أخرى، ليصبح أكثر قائد تتويجاً في تاريخ منتخب الأرجنتين، تحولت الهتافات التي كانت تشكك فيه إلى أناشيد تمجده، فلقد منح بلاده كأس العالم، ولقبين لكوبا أمريكا، وكأس الأبطال، وأعاد للأرجنتينيين شعور الفخر بمنتخبهم.

قصة «ميسي» مع منتخب بلاده تذكرنا بحقيقة مهمة: أحياناً لا يكون الفارق بين الفشل والخلود هو الموهبة، بل القدرة على النهوض بعد الهزائم.