بديع خيري في مواجهة طلعت حرب: عن «العزيمة» والرقابة وأفلام العنف

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

«العزيمة» الذى عُرض فى 1939 أصبح واحداً من كلاسيكيات السينما المصرية والعالمية، وقد اعتبره المؤرخ السينمائى الفرنسى جورج سادول واحداً من أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما، وواحداً من روائع «الواقعية»
هل تعلم، دام فضلك، أن فيلم «العزيمة» الذى يُعد واحداً من أفضل أفلام السينما المصرية، كان مهدداً بعدم الظهور إلى النور، بعد أن قرر طلعت باشا حرب، رئيس استوديو مصر، المنتج للفيلم، وأكبر شركة إنتاج فى ذلك الحين، إيقاف تصوير الفيلم، بعد أن وصلته بعض الوشايات حول مضمون العمل، ومنها أن الفيلم يحتوى على شخصيتَى جزار وحانوتى؟!

«العزيمة» مهدد بالمنع

فى مذكرات بديع خيرى الصادرة بعنوان «45 سنة تحت أضواء المسرح» من إعداد محمد رفعت المحامى، فى كتاب صغير نادر عن دار نشر بيروتية ودون تاريخ نشر على الكتاب.. فى هذه المذكرات البديعة، اسماً وصفة، وتحت عنوان «كيف أنقذت العزيمة» يروى رائد المسرح الذى شارك فى الفيلم بكتابة الحوار مع مخرج ومؤلف الفيلم رائد السينما كمال سليم، كيف بلغه نبأ وقف العمل فى فيلم «العزيمة» والعدول عن إنتاجه، «حتى طرت إلى طلعت حرب وسألته:

- إيه حكاية فيلم العزيمة يا باشا؟

- بيقولوا إن مستواه بلدى ولا يليق بسمعة مصر، مطلعين فيه جزار وحانوتى..

- دى نماذج شعبية عايشة حوالينا، واحنا بنظهِر أنبل ما فى أخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم.

- إزاى نواجه الإنتاج الأمريكانى بفيلم زى ده؟

- بالعكس المطلوب من استوديو مصر إنه يخالف الإنتاج الأمريكى. إحنا مانقدرش نزاحم إنتاجهم، إنما نقدر نمتاز عنهم فى اللون الشرقى الصميم بتاعنا اللى بيعجزوا عن تصوير بيئته وبيطلعوه بمظهر ظالم وغير مشرف لنا.

- أنت فاهم يا بديع خطورة الموضوع، بالنسبة لأن استوديو مصر استوديو للإنتاج النموذجى الرفيع من يوم ما أنشئ.

- على أى حال خلِّى العزيمة تجربة، ولو افترضنا أسوأ الفروض.. الاستوديو بينتج كذا فيلم فى السنة وموش حاجة فيلم يفشل..».

ويضيف بديع خيرى: «وما زلت به حتى اقتنع وأصدر أمره بمواصلة العمل فى الفيلم. وعُرض.. وحقق نجاحاً ساحقاً ما زال حياً ماثلاً إلى اليوم (وقت كتابة المذكرات)، ودعانا طلعت حرب، كل من اشترك فى إنتاج الفيلم، إلى وليمة كبيرة فى بيته، وقدَّم لكل واحد منا مظروفاً به مكافأة سخية علاوة على أجور عملنا فى الفيلم».

وقد بات تاريخاً أن «العزيمة» الذى عُرض فى 1939 أصبح واحداً من كلاسيكيات السينما المصرية والعالمية، وقد اعتبره المؤرخ السينمائى الفرنسى جورج سادول واحداً من أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما، وواحداً من روائع «الواقعية» فى السينما (وقت كتابة موسوعته فى بداية ستينات القرن الماضى)، وحتى الآن يشاهد الملايين الفيلم باستمتاع وتُكتب عنه الدراسات والمقالات..

ولك أن تتخيل، عزيزى القارئ، أن بديع خيرى خشى أن يواجه طلعت باشا حرب، رجل السياسة والمال والمتحكم فى الإنتاج، أو أن الأخير رفض الاستماع إلى بديع وسخر من رأيه وصرفه بهدوء ناصحاً إياه بعدم الحديث فى هذا الأمر مجدداً؟

كم فيلماً نخسره كل يوم؟

كنا سنخسر فيلم «العزيمة» بالطبع.. ولكن هذا يقودنا بدوره إلى التفكير فى عشرات الأفلام الأخرى التى خسرناها بسبب توقف العمل فيها فى مرحلة ما، ربما تكون رفض السيناريو فى الرقابة، أو رفض الجهات المنتجة لها، خشية من القلق أو خوفاً على الأموال، وهو ما يقودنا إلى مزيد من الأسئلة المحرجة: كم من بديع خيرى لدينا قادر على الدفاع عن الأعمال الجيدة فى مواجهة المنتجين والمسئولين؟ وكم من طلعت حرب لدينا يدير شركات الإنتاج السينمائى والفنى لديه الاستعداد للاستماع والفهم والاستجابة لأصوات المبدعين الحقيقيين، الذين قلوبهم على البلد والإبداع وليس على المرتب السخى الذى يتقاضونه مقابل استبعاد أى شىء مثير للقلق؟

لقد عُرض «العزيمة» وتبين أن القلق والقلِقين كانوا على خطأ، أو على أفضل تقدير مبالغين، وحقق الفيلم سمعة عظيمة لاستوديو مصر ولمصر، بالإضافة إلى أرباح كبيرة لم يزل يحققها إلى الآن.

ولأن الفارق الزمنى بيننا وبين «العزيمة» بعيد فسوف أضرب بعض الأمثلة الحديثة بأعمال ربما لاقت ما لاقاه «العزيمة» من تعثر، ولكن عندما عُرضت تبيَّن أن الخوف كان مبالغاً فيه: وخذ عندك، عزيزى القارئ، مسلسلاً مثل «لام شمسية» أو «نرجس» كان من حظهما أن توفر لهما الحماية وتجاوز القلق، فكانت النتيجة مشرِّفة لكل من الجهة المنتجة والفن المصرى والبلد الذى خرج منه العمل.

نقطة أخرى تكمن فى الجملة الأخيرة لبديع خيرى التى يتحدث فيها عن الوليمة والمكافآت الإضافية التى منحها طلعت حرب لصُناع الفيلم. هل هناك منتج يفعل ذلك الآن؟ فى الأسبوع الماضى اندلعت حرب من السادة المنتجين ضد الممثلين والفنانين الذين يطالبون بحق الأداء العلنى، أو بنسبة من الأرباح على الأفلام التى تحقق نجاحاً كبيراً. ولكن منتجى اليوم، أعزائى، لا يفكرون سوى فى الأموال التى يجنونها هم، إلا من رحم ربى بالطبع.

متمردون بلا قضية

ربما لذلك تذكرت «العزيمة» وبديع خيرى الآن،

أو ربما لأننى فى الأسبوع الماضى شاهدت عدداً كبيراً من الأفلام القصيرة لسينمائيين يضعون أقدامهم على بداية الطريق، وقد هالنى أن معظمها يدور فى فقاعة أو صندوق ضيق للغاية من الأفكار، معظمها يدور حول جرائم قتل عائلية معزولة عن أى سياق اجتماعى أو طبقى أو سياسى أو جنسى، جرائم تحدث فى الفراغ الكونى، حاولت أن أفهم معناها وسبب وجودها فى كل هذا العدد من الأعمال، وأعتقد أن وراءها سببين أساسيين: الأول هو البحث عن قصة درامية مشوقة تصلح لعمل فيلم، وبالطبع ليس هناك أفضل من جريمة قتل تتيح تصوير معركة ودماء وسكين ومسدس وإضاءة غامضة وأصوات مرعبة إلى آخر ما يعتقد الجيل الحالى والتالى أنه دراما مشوقة، وليس من المستغرب أن أتفه أفلام الرعب والجريمة تحقق النجاح الأكبر حالياً.

السبب الثانى فى اعتقادى، وهو أكثر عمقاً وتعقيداً، هو الغضب المكتوم الذى يعانى منه الشباب والمراهقون، حتى الذين يرفلون منهم فى نعيم بابا وماما والكومباوند، ومن لم يذوقوا طعم الفقر يوماً ولا الضرب بـ«شبشب» ماما، بل ربما يكون هؤلاء أكثر معاناةً نفسياً وامتلاءً بالاغتراب والعنف من الفقراء البسطاء.. وربما يكون السبب أنهم، تقريباً، بلا قضية، إذا استعرنا عنوان فيلم جيمس دين الشهير «متمرد بلا قضية»، الذى يدور حول مراهق أرستقراطى متمرد ولكنه لا يجد هدفاً أو قضية اجتماعية أو سياسية أو إنسانية يتمرد من أجلها.

ولكن، إحقاقاً للحق، فإن صُناع الأفلام الشباب يجدون صعوبة فى التعبير عن أنفسهم ومجتمعهم لأسباب رقابية، إذ لا تتيح لهم الجهات المنتجة لهذه الأعمال أن يطلقوا لخيالهم وأفكارهم العنان، حيث يتحسس الرقباء، ومَن يشغلون مواقع الرقباء من معلمين وأهالى ومواطنين عاديين أو مدسوسين على شبكات التواصل، مسدساتهم تجاه التعرُّض لأى «تابو». وجرِّب، عزيزى القارئ، أن تدافع عن أى فيلم جرىء، جديد أو قديم، أو عن المحامية غير المحجبة، أو عن الولد الذى ذهب إلى الامتحان بالشورت، أو قل رأياً مختلفاً فى كرة القدم، لكى تدرك كمّ المرض النفسى الجمعى الذى نعيش فيه.

تخيل معى، عزيزى، أن هناك فيلماً مثل «العزيمة» اليوم يتحدث عن مجتمعنا، وكمّ الحروب ومحاولات المنع التى ستُشن عليه.

فى 1939 كانت مصر محتلة من الإنجليز والملك الأجنبى والإقطاعيين، والعالم يترنح بين حربين عالميتين، والصراع الطبقى على أشده بين الإقطاع القديم والرأسمالية الغربية والطبقة الوسطى الناهضة، وكل ذلك يتجلى بشكل غير مباشر فى فيلم «العزيمة»، الذى كان فى الحقيقة أهم عمل يدافع عن أفكار طلعت حرب وسعيه لإنشاء صناعة وطنية مصرية مستقلة تنهض بالبلد. ربما لم يفهم ذلك فى البداية، ولكن بالتأكيد فهمه بعد عرض الفيلم.