الثقافة وبناء البشر
لا تنمو الدول وتتقدم بالمدن والشوارع والمتاحف وغير ذلك من معالم الحضارة فحسب، إنما تبنى أولاً بالبشر، لذلك يجب أن يبنى البشر قبل كل الأشياء، فلولاهم لما كانت الحضارة والبلادة العامرة والتنمية المزدهرة. وإذا كان من عناصر بناء البشر التعليم والصحة، فإن الثقافة لا تقل أهمية عن هذين العاملين في عملية بناء البشر. الثقافة ركيزة أساسية في بناء البشر، تصنع طريقة التفكير قبل أن تصنع المعرفة، تغرس منظومة القيم، تحدد النظرة إلى العمل والواجب والحقوق، وعلاقة ذلك بالمجتمع والدولة. فالإنسان لا يولد مواطناً صالحاً، غنما يصبح كذلك عبر عملية ثقافية طويلة تبدأ من الأسرة وتتواصل في المدرسة، وتتعمق من خلال الإعلام والفنون والكتاب والمؤسسات الدينية وسائر أدوات التنشئة الاجتماعية.
الثقافة تفرز أفراداً يدركون أن النجاح الشخصي لا ينفصل عن نجاح المجتمع، فيتقنون العمل، يحافظون على المال العا، يحترمون الاختلاف، ويشاركون في الشأن العام كمسئولية لا عبئاً. تبني الثقافة الكفاءة وتنمي التفكير النقدي وتحفز على الابتكار، بدلاً من الحفظ والتلقين. تغرس الثقة بالنفس، تدفع الإنسان إلى المبادرة. كما تخلق الثقافة وعياً بالمواطنة، ما يجعل الفرد أكثر استعداداً للمشاركة في التنمية، هذه الممارسات تنبع من قناعات داخلية. الثقافة المصنع الحقيقي للمواطن الصالح. تنتج إنساناً يمتلك الضمير والعقل والكفاءة والقدرة على تحمل المسئولية والإيمان بقيمة العمل والإنتاج.
تبني الثقافة الكفاءة لأنها تشجع الإنسان على التفكير لا على التلقين. الثقافة الحية توسع المدارك، تنمي القدرات. هكذا يتشكل المواطن القادر على تحمل المسئولية. إن مشكلة المجتمعات ليست في نقص الأشياء، إنما في بناء الإنسان القادر على إنتاج الأشياء وصيانتها. الآلة يمكن شراؤها، المصنع يمكن تشييده، لكن الإنسان المسئول لا يشترى ولا يبنى بقرار إداري، تصنعه الثقافة.
إن خطط التنمية في الدول التي حققت تقدماً اقتصادياً كبيراً، لا يقتصر الأمر فيها على معدلات النمو، وأرقام الناتج المحلي، إنما أثبتت التجارب الإنسانية الكبرى أن التنمية ليست مشروعاً لإنتاج السلع بقدر ما هي مشروع لإنتاج الإنسان، وأن الاقتصاد مهما بلغ من القوة يظل عاجزاً عن صناعة نهضة مستدامة إذا لم يستند إلى قاعدة ثقافية راسخة تشكل الوعي الجمعي.
الثقافة هي البنية التحتية غير المرئية لكل مشروع تنموي، لأنها تصنع الإنسان الذي سيبني المصنع، ويزرع الأرض، ويبتكر التكنولوجيا، ويحافظ على الموارد، ويؤمن بأن التنمية مسئولية جماعية وليست مجرد سياسات حكومية. أي مشروع تنموي يراهن على الآلات قبل العقول، وعلى الخرسانة قبل الإنسان، يظل مشروعاً ناقصاً مهما بلغت موارده. المصانع لا تنتج التنمية إذا كانت ثقافة العمل غائبة، الأراضي الزراعية لا تحقق الأمن الغذائي إذا لم تتجذر قيم الانضباط والإنتاج والإبداع واحترام العلم.
إن التزاوج بين الثقافة والتنمية ضرورة استراتيجية. كل مشروع يحتاج إلى خطاب ثقافي يعزز قيمته وإلى وعي مجتمعي يدرك أهميته، كل خطة اقتصادية تحتاج إلى إعلام يشرح الأهداف ويشارك في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
استبعاد الثقافة من مشروع التنمية يخلق فراغاً تملؤه ثقافات أخرى وافدة تحمل تصورات مختلفة عن الهوية والانتماء وأنماط الحياة. في العصر الرقمي لم تعد الحدود الجغرافية قادرة على حماية المجتمعات من التأثيرات الثقافية العابر للقارات.
إن التنمية الحقيقية لا تبدأ ببناء الطرق ولا تنتهي بإقامة المصانع، تبدأ ببناء الإنسان الذي يسير على تلك الطرق ويعمل داخل تلك المصانع. الثقافة تمنح التنمية روحها، وعندما تتكامل الثقافة مع الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي والإدارة الرشيدة، تتحول التنمية إلى مشروع حضاري شامل، يعيد تشكيل الإنسان القادر على حماية منجزاته وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.