المونديال يتحدث الإسبانية
المنتخبان اللذان وصلا إلى نهائى المونديال يتحدثان الإسبانية، وأنا منحاز لتلك اللغة الساحرة، أو بتعبير أدق، منحاز لمنتجات تلك الثقافة الساحرة الباهرة، من شعر ورواية ومسرح ورسم، برغم أننى لا أعرف مفردات تلك اللغة، أكثر ما ندمت عليه هو فرصة تعلم اللغة الإسبانية، أثناء الدراسة فى كلية الطب.
كان د. خالد عمران، وهو واحد من أعز أصدقائى، قد اتخذ قراراً وهو فى كلية طب القاهرة، أن يذهب للمركز الثقافى الإسبانى ويتعلم اللغة، وكان يحكى لى عن شخصية مدير هذا المركز آنذاك، وكيف أن له شخصية آسرة، أعتقد اسمه أدريانو على ما أذكر، وقد ترك صديقى الطب والتحق بالسلك الدبلوماسى وخدم فى أمريكا اللاتينية نتيجة إتقانه للإسبانية، المهم أننى قد أضعت الفرصة بكسلى آنذاك، وبسبب مطحنة ومفرمة دراسة الطب المرهقة، وفقدانى للبوصلة، ونقص معلوماتى عن مدى إبداع وسحر الأدب الإسبانى، والذى كانت ترجماته فى ذلك الوقت قليلة.
بعد التخرج اكتشفت جابرييل جارثيا ماركيز، والذى كان قد أصبح ملء السمع والبصر، بعد حصوله على نوبل، وقعت فى يدى رواية مائة عام من العزلة، أغلقت على نفسى الباب، وكنت كمريض الكورونا، يدخل لى الطعام حجرتى، وأنا مربوط فى السرير مع الرواية، أصبحت بعدها مختلفاً عما قبلها، ما هذا السحر والجمال؟
انفتح لى عالم جديد، وتملكتنى جسارة على الخروج من التقليدية والنمطية والمحفوظ والمقولب، التهمنى الندم، كنت أتمنى مضاعفة المتعة، بقراءتها بلغتها الأصلية، كم فقدت من خير وقدرة كشف وسر سحر، كان الوقت قد فات لتعلم اللغة، وأخذتنى ماكينة الحياة بين تروسها الجبارة، لتدهس عظامى وروحى، وقدرتى على تحقيق أمنية مهجورة، وإشعال جذوة رماد نار كانت قد خمدت، بدأ نهمى يزداد للأدب الإسبانى، نيرودا ولوركا، بارجاس يوسا وبورخيس، الليندى وثربانتس.
وعندما حالفنى الحظ وزرت برشلونة ومدريد، كان الأصدقاء يذهبون للمولات، وأنا أذهب لمتحف بيكاسو وخوان ميرو، وأبحث عن لوحات جويا وسلفادور دالى وال جريكو، وفى معرض الكتاب أبحث عن كتالوجات كاهلو وجداريات ريفيرا، غنى الثقافة الإسبانية وحيويتها وسحرها وتنوعها، أبهرنى، وفتح مسام عقلى وروحى، وإذا كانت الكرة اليوم تتحدث الإسبانية، فهناك 600 مليون إنسان حول العالم يتحدثونها، وهى ثانى اللغات انتشاراً الآن، برغم أننى لا أتقن مفرداتها إلا أننى أعشق إيقاعها الموسيقى الخلاب، وعندما تتحدث الكرة بالإسبانية تنطق سحراً، مثل الذى سنشاهده فى نهائى المونديال اليوم.