التدين العشوائي.. حين يغيب المنهج عن طريق الله!

في سياق تتبعنا لملامح التكوين النفسي والمعرفي للإنسان المعاصر، وتفكيك السمات التي صبغت وجوده في ظل ما سميناه بـ«النهايات الخمس»، توقفنا في حديثنا السابق عند محطة «الإحباط»، ذلك الشعور الذي يغلق نوافذ الرجاء، ويجعل الإنسان مكبلاً بعجزه، منكسراً أمام ثقل الواقع. واليوم، ننتقل إلى سمة تبدو في ظاهرها نقيضاً تاماً للإحباط، فهي تتسم بالحركة الكثيفة، والنشاط الظاهر، والتفاعل المستمر مع سيل المؤثرات، لكنها في جوهرها ليست إلا وجهاً آخر من وجوه «التيه» المعاصر؛ إنها «العشوائية».

وهنا يبرز سؤال جوهري وصادم في آن واحد: ما جدوى أن نتحرك كثيراً إذا كنا قد فقدنا «معنى الطريق»؟ وما قيمة الضجيج المعرفي والنشاط السلوكي إذا كانا يفتقران إلى البصيرة التي تحول الحركة إلى أثر، والبناء إلى مستقر؟!

إن العشوائية في حقيقتها هي استنزاف هائل للطاقة الإنسانية في مسارات متقاطعة لا تفضي إلى غاية، حيث يبدو الإنسان فيها نشيطاً وهو في الحقيقة يتخبط، ويظهر بمظهر المطلع وهو في الواقع مشتت، مما يجعلنا أمام حالة من «السيولة» التي تبتلع ملامح الشخصية السوية وتعيد صياغتها ككتلة من ردود الفعل المبعثرة. إن العشوائي ليس ساكناً، بل هو «كثير الحركة، فاقد الطريق»، ومن هنا يصبح تعريف هذه الحالة بدقة ضرورة وجودية لتمييزها عما قد يشتبه بها من مفاهيم معرفية أخرى.

إن الفاصل الجوهري بين الحركة البناءة والتخبط العشوائي يكمن في وجود «المنهج»، وهو الضابط الفاصل الذي يحول شذرات المعلومات إلى بناء معرفي متماسك، والخبرات العابرة إلى وعي مستقر. ولتفكيك ماهية العشوائية، يجب أن نضعها في ميزان المقارنة مع مفاهيم تشترك معها في بعض السمات وتفترق عنها في الماهية، فالتعدد الطبيعي للمصادر والخبرات هو أمر محمود بل ونافع إذا امتلك الإنسان ميزاناً منهجياً يرتب به ما يتلقاه، وكذلك «المرونة المعرفية» هي قدرة راقية على المراجعة وفهم السياقات بعيداً عن الجمود العضلي أو الفكري.

أما العشوائية كحالة حاكمة، فهي تحول هذا التعدد إلى تشتت، وتلك المرونة إلى سيولة مطلقة، حيث تصبح «كثرة الحركة مع فقدان معنى الطريق» هي السمة الغالبة، إن العشوائية هي غياب الترتيب الداخلي الذي يحول الوعي إلى بناء، فالمشكلة ليست في «كثرة المعلومات» بل في «غياب البصيرة» التي تنظمها. الإنسان العشوائي يعيش في زمن التخمة المعلوماتية، لكنه يظل فقيراً للمنهج، يستهلك المحتوى ولا يبني الوعي، وهذا التشتت المعرفي ليس خللاً فردياً معزولاً، بل هو الثمرة المرة لانهيار المرجعيات الكبرى في حياة الإنسان المعاصر.

وعندما نغوص في الجذور العميقة لهذه العشوائية، نجدها نتيجة طبيعية لتفكك «دوائر التوجيه الكبرى» التي كانت تشكل سياجاً يحمي الإنسان من التيه. إن انهيار «النهايات الخمس» قد جعل الإنسان «هباءً» أمام سيل المؤثرات الخارجية، فقد أدى انهيار «نهاية اللغة» إلى اضطراب المفاهيم، فغاب التمييز بين الحرية والفوضى، وبين التجديد والهدم، وبين الثبات والتشدد، فصار الإنسان يدخل إلى عالم الفكر والدين من أبواب مشوشة لا تفرق بين المصطلح وسياقه. كما أدت «نهاية التراث» إلى فقدان مدرسة «التدرج والإسناد»؛ فالتراث في وعينا الأصيل لم يكن مخزن معلومات جامداً، بل كان مدرسة لتربية الملكات، فلما سقطت هذه المرجعية، تحول التراث إلى شذرات يُقتطع منها ما يوافق الهوى. ومع «نهاية الدين»، بصفته منهجاً كلياً للحياة، تحول التدين إلى طقس بلا روح أو «تدين شذري» يتبع الحالة النفسية اللحظية. أما «نهاية الأسرة» فقد غيبت التنشئة على الانضباط وبناء العادات الطويلة، فنشأ إنسان لا يطيق صبراً على طريق أو برنامج، بل هو سريع الانتقال من معنى إلى آخر. وصولاً إلى «نهاية الدولة» وضعف الثقة في المؤسسات الجامعة، مما دفع الفرد للجوء إلى الفوضى تحت مسمى الحرية، ظناً منه أن كل مرجعية هي قيد، وكل نظام هو محاولة للسيطرة، فانتهى به الأمر إلى فقدان «الذاكرة العملية» التي تحمي المجال العام من الفوضى.

هذا الانهيار المرجعي انعكس بوضوح على «سيكولوجية الإنسان العشوائي»، الذي أصبح بناءً هشاً رغم ضجيج نشاطه، إن الإنسان العشوائي هو «كثير الحركة قليل الثمرة»، الذي يخلط بين «الاطلاع» و«التعلم»، وبين «التجربة الشخصية» و«الحقيقة العامة». هو إنسان سريع التأثر، سريع النسيان، يكتفي بالمقاطع القصيرة عوضاً عن البناء الطويل، ويطلب النتائج قبل نضج التربية.

إن هذه «السيولة النفسية» تجعل الإنسان هشاً أمام أي خطاب، سواء كان متطرفاً أو منحلاً؛ لأنه لا يمتلك «منطق التكوين» الذي يحميه من التلاعب أو الإبهار أو الخوف، بل يمتلك «منطق الاستهلاك» الذي يجعله يستهلك الأفكار كما يستهلك السلع. العشوائي يمل من الطريق قبل أن تتكون ثماره، ويقفز إلى الأحكام قبل استكمال أدوات الفهم، فتراه يوماً في أقصى اليمين ويوماً في أقصى اليسار، لا لمرونة في عقله، بل لغياب الثبات في منهجه، وهو ما ضاعفه الفضاء الرقمي الذي حوّل العالم إلى ساحة كبرى للشذرات.

إننا في العصر الرقمي نعيش زمن «الشذرات والضجيج»، حيث قدمت التكنولوجيا للإنسان «معرفة بلا ترتيب» و«فتوى بلا سياق» و«مواعظ بلا صحبة»، الخطر هنا لا يكمن في الوسيلة الرقمية في حد ذاتها، فهي يمكن أن تكون باباً للخير، ولكن الخطر في غياب المنهج الذي نرتب به ما نسمع،؛ فالمعلومة إذا لم تدخل في منهج يحولها إلى نور، فإنها تتحول إلى «ضجيج» يربك القلب ويشتت العقل. إن الإنسان المعاصر يظن أنه صار أكثر معرفة لأنه يتعرض لعشرات النصوص والخطابات يومياً، بينما هو في الحقيقة يزداد تشتتاً؛ لأنه لا يمتلك معياراً يربط هذا السيل بسؤال: ماذا يبني هذا في داخلي؟ وماذا يغير في خُلقي وبصيرتي؟ إن «الخطر ليس في كثرة السماع، بل في عدم معرفة كيف نرتب ما نسمع»، لقد تحول العلم إلى «محتوى يُستهلك» بدلاً من أن يكون «نوراً يُستضاء به»، وهذا ما أدى إلى تشوه العلاقة مع الخالق فيما يمكن أن نسميه «أزمة التدين العشوائي».

ويعتبر هذا المحور هو الأهم، حيث تعيد العشوائية هندسة علاقة الإنسان بربه لتصبح علاقة «مداخل كثيرة وطريق قليل»، لقد أنتجت العشوائية أنماطاً من التدين تفتقر إلى «الهندسة الداخلية» المستقرة؛ أولها «التدين الشذري»، الذي يقتطع عبارات منفصلة ومواقف مقتطعة بلا بناء كلي، فيصبح الدين عند الفرد عبارة عن «قصاصات» لا تشكل شخصية متكاملة. وثانيها «التدين المتنقل»، حيث يتقلب الإنسان بين الخطابات والمؤثرين بلا أصل ضابط، فيتبع اليوم من يبهره، وغداً من يخيفه، بلا قدرة على التمييز بين العالم والمؤثر. وثالثها «التدين الانفعالي»، الذي يتشكل بناءً على آخر ما سمعه الإنسان، فتراه يندفع في عبادة معينة ثم ينقطع عنها تماماً لأن حركته كانت وليدة لحظة انفعالية لا وليدة منهج تربوي. وأخيراً «التدين الفاقد للمرجعية»، حيث يتوهم الإنسان القدرة على الترجيح في أعقد المسائل الشرعية بلا أدوات ولا أصول، لمجرد أنه جمع آراء متناثرة من الفضاء الرقمي.

إن العشوائية لا تنهي التدين دائماً، لكنها تجعله «كثير التأثر، قليل البناء»، وتجعله قابلاً للتحول من التشدد إلى السيولة في يوم وليلة؛ لأن الحركة فيه تفتقر إلى «البصيرة» التي تمنح الاستقرار والثبات.

وهنا تبرز ضرورة العودة إلى الأصول الشرعية التي تؤكد أن الإسلام «دين منهج لا فوضى»، وأن الوحي لم ينزل لبناء الإنسان بالمعلومة المجردة فحسب، بل بالتزكية والتدرج والصحبة والعمل، إن قول الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) يؤسس لمعنى «الطريق» المقترن بالبصيرة، لا مجرد الاندفاع العابر. كما أن المرجعية في الإسلام تتجلى في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وهو ما يقي الإنسان من عشوائية التلقي، ويؤكد أن لكل فن أهله، وأن «أدب السؤال» هو مفتاح العلم المنظم، كما أن طلب الزيادة في العلم في قوله: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً) هو طلب لتراكم العلم النافع الذي يبني النفس، لا لتراكم الانطباعات العابرة، لقد كان الوحي ينزل «تدرجاً» لبناء الإنسان، وكان المنهج في الإسلام «رحمة وحماية» للقلب من أن يتبدد في كل اتجاه، ليس قيداً على الروح، بل هو السور الذي يحفظها من الضياع في غابة الشذرات الرقمية.

ومن القراءة الحضارية الشاملة، نجد أن العشوائية هي العائق الأكبر أمام التراكم والبناء؛ فالحضارة لا تُبنى بالشذرات، ولا بردود الفعل، ولا بالحماسات المتقطعة، بل تُبنى بـ«المنهج، والتدرج، والسنن، وترتيب الأولويات»؛ إن العشوائية تقتل «الذاكرة العملية للحضارة» وتعطل جودة العمل والثقة في المؤسسات واستمرارية الإصلاح. فالإنسان العشوائي، ولو كان صادق النية، لا يبني حضارة؛ لأن الصدق يحتاج إلى منهج يحمله، والنية الصالحة تحتاج إلى بصيرة لكي تتحول إلى أثر صالح.

وإذا نظرنا إلى واقعنا الخاص، نجد أن التدين المصري كان عبر تاريخه «مجالاً حياً ومنظماً»، تشكل من خلال الأزهر، والمسجد، والمجلس، والمربي، والعادات الرحيمة التي لم تكن تعني الجمود، بل كانت تمنح التدين قدرة على الامتصاص والتوازن والسعة، التدين المصري الأصيل كان يربي الفرد في «مجلس» يدرك فيه مقام العالم، ويتلقى فيه العلم بتدرج، ويمارس فيه التزكية بصحبة.

لكن تحت ضغوط التحولات الحديثة، بدأت العشوائية تتسرب عبر أخذ الدين من «المقاطع»، وضعف الصلة بالمجالس والعلماء، وتحويل الخلاف العلمي الدقيق إلى فوضى جماهيرية، وسيادة «اللحظي» على «المنهج البنائي»، إننا اليوم بحاجة ماسة لاستعادة «المجال الحي» الذي لا يكون فيه الدين مجرد محتوى يُستهلك خلف الشاشات، بل صحبة تُربي، ومرجعية تُرشد، ومجلس يُهذب، وعمل يظهر في الرحمة والسلوك، لنحفظ روح التدين المصري من السقوط في فخ السيولة أو التشدد.

أما المسار العلاجي للخروج من تيه العشوائية، فيبدأ باستعادة معنى «المنهج» في العلم والعمل، وإدراك أن الطريق إلى الله يحتاج إلى ترتيب وتدرج، إن أولى خطوات العلاج هي بناء «برنامج صغير مستمر» في العلم والذكر والعمل، فالعشوائية لا تعالج بالأحلام الكبيرة المقطوعة، بل بالعمل اليسير الدائم. ثانياً، التمييز الواضح بين «المحتوى» الذي قد يوقظ القلب وبين «التربية» التي تبني الشخصية وتحتاج إلى مجال وصحبة ومراجعة. ثالثاً، تحويل «التأثر اللحظي» إلى «بناء دائم»، فلا يكتفي الإنسان بقول «تأثرت بهذا الكلام»، بل يسأل نفسه: ما الخطوة التي سأثبت عليها؟ وما الخُلق الذي سأصلحه؟ رابعاً، استعادة أدب السؤال والرجوع لأهل التخصص، فلا يؤخذ الدين من كل عابر صوت، بل من «أهل الذكر» الذين يملكون الإسناد والمنهج، إننا مدعوون لاستعادة «التدين المحمدي المتوازن» الذي يجمع بين العلم والعمل، والظاهر والباطن، والاتباع والرحمة، فلا يكون الدين شدة بلا روح، ولا عاطفة بلا ضابط، ولا حركة بلا طريق.

ختاماً، إن العشوائية لا تعني بالضرورة سوء النية، لكنها تعني فقدان البصيرة التي تحول الشذرات إلى نور، فالمنهج ليس قيداً، بل هو الذي يمهد السبيل ليكون شغف الإنسان طريقاً، وسؤاله علماً، وتأثره بناءً وحركته سيراً مثمراً بالرحمة، فالمعلومة لا تصبح نوراً إلا إذا دخلت في منهج، والموعظة لا تصير تربية إلا إذا تحوّلت لعمل، والتدين لا يبني الإنسان إذا ظل شذرات متناثرة، إن المنهج هو الذي يقي القلب من أن يتبدد، ويقي العقل من أن يتشتت. ومن هنا، إذا كانت العشوائية تفقد الإنسان «منهج الحركة»، فإن «الحساسية» تفقد الإنسان «سعة التلقي»، حيث يصبح هشاً أمام كل كلمة، وسريع الانفعال أمام كل اختلاف، وهو ما يجعل النفس في حالة استنفار دائم تمنعها من السكينة، وهذا ما سيكون موضوع مقالنا القادم في رحلة فهم سمات الإنسان المعاصر.