مصير الحرب الأمريكية على إيران

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

اختلطت أوراق الحرب الأمريكية على إيران، وارتبك اللاعبون، وسادت الضبابية ساحة الألعاب، ولم يعد العالم يعرف إلى أين المسار والمصير في تلك الحرب المحورية.

كان الهدف المعلن للحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، تغيير النظام في إيران وتفكيك برنامجها النووي.

لكن النتائج الأولى كانت مختلطة. نجحت الضربات في قتل المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، إلا أن القيادة التي خلفته كانت أكثر تشددًا وعلى رأسها ابنه مجتبى.

كما أن أمريكا وإسرائيل لم تتمكنا من تدمير قدرة إيران على التحكم بمضيق هرمز، الممر المائي الذي يمر عبره حوالي 20% من البترول العالمي، وقد صارت هذه النقطة جوهر الصراع.

في 14 يونيو الماضي، تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين أمريكا وإيران، بهدف تحويل الهدنة الهشة إلى سلام دائم.

نصت المذكرة المكونة من 14 بندًا على نقاط رئيسية منها، إنهاء فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان. التزام إيران ببذل قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية بدون رسوم.

تبدأ أمريكا في رفع حصارها البحري على إيران وتنهي جميع العقوبات الاقتصادية، لكن بدون جدول زمني محدد، إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران، بتمويل من حلفاء أمريكا في المنطقة وليس من واشنطن مباشرة.

تلتزم إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، مع ترك آلية التعامل مع اليورانيوم المخصب لتفاوض لاحق، تحديد فترة 60 يومًا للتفاوض على اتفاق نهائي.

لكن الهدنة انهارت بسرعة لأسباب جوهرية وعميقة، منها، غموض النقاط الخلافية، فالمحللون يرون أن مذكرة التفاهم كانت غامضة عمدًا للسماح بتوقيعها، لكن هذا الغموض أصبح سبب انهيارها.

فالنزاع الرئيسي الذي يدور حول مضيق هرمز، تريد أمريكا بشأنه أن تكون حرية الملاحة فيه غير مشروطة، بينما تعتبر إيران أنها كسبت حقوقًا في المضيق بعد الحرب وتريد أن ينعكس ذلك في أي اتفاق.

وكان الاختلاف الأكبر حول من يتحرك أولًا. واشنطن تتعامل مع رفع العقوبات وتحرير الأموال الإيرانية المجمدة، حوالي 300 مليار دولار، كورقة ضغط تمنح مقابل خطوات إيرانية ملموسة، لكن طهران اعتبرت أن هذه الحقوق مستحقة بمجرد توقيع المذكرة، وليس جائزة للامتثال، هذا الخلاف كان وصفة ناجحة لانهيار الاتفاق.

وبدلًا من الالتزام بالهدنة، استمرت الهجمات المتبادلة. أعلن الرئيس ترامب أن المذكرة انتهت بعد أن شنت القوات الأمريكية ضربات جوية جديدة قال إنها ردًا على هجمات إيرانية.

وصفت الصحف هذا التطور بأنه مفاوضات تحت النار، استخدم كل طرف الضغط العسكري كأداة للتفاوض. هذا السلوك عزز عدم الثقة بين الطرفين.

ترى الإدارة الأمريكية أن القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والحصار الطريق لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف. الهدف إجبار إيران على تغيير سلوكها وقبول الشروط الأمريكية دون تنازلات جوهرية. تقوم هذه الاستراتيجية على افتراض أن الاقتصاد الإيراني المنهار سيجبر قادته على الرضوخ.

بينما ترى إيران أن استمرار القتال واحتلال إسرائيل جنوب لبنان خرق واضح للبند الأول من المذكرة، مما يلغي التزاماتها. تعتبر إيران أن قوتها في مضيق هرمز ورقة الضغط الأساسية التي تمنحها نفوذًا حقيقيًا، ولن تتخلى عنها دون مقابل ملموس. وبالنسبة لها فإن الوجود الأمريكي في المنطقة وعدم الجدية في تنفيذ الاتفاق يثبت أن واشنطن لا تريد السلام بل كسب الوقت.

أمريكا تجد نفسها في مأزق استراتيجي حقيقي. الحرب التي بدأت دون استراتيجية خروج واضحة، لم تحقق أهدافها. التصعيد العسكري لم ينجح في إجبار إيران على الاستسلام، بل زاد من تصلب موقفها وعزز دور التيار المتشدد في الداخل. وإيران رغم ضعفها الاقتصادي، تثبت أن لديها أدوات للضغط تجعلها خصمًا قويًا لا يُكسر بسهولة، وأن أي اتفاق دائم يتطلب تنازلات من الطرفين.

ما نشهده ليس مجرد فشل في اتفاق على هدنة، بل انعكاس لصراع أعمق حول ميزان القوى في الشرق الأوسط، تحاول كل من واشنطن وطهران إعادة تعريف قواعد اللعبة، والطريق إلى اتفاق دائم يبدو بعيدًا، في ظل انعدام الثقة واستمرار العنف.

يرى المحللون أن أحد العيوب الفادحة في الاتفاق أنه تم التفاوض عليه وتوقيعه من قبل السلطات المدنية الإيرانية ممثلة في الرئيس والبرلمان ووزير الخارجية، بينما القرار الميداني والعسكري، خاصة في ملفات حساسة مثل المضيق والصواريخ، في يد الحرس الثوري الإيراني الذي لا يخضع لسلطتهم بشكل كامل، ما جعل الاتفاق هشًا. كما أن إسرائيل التي لم تكن طرفًا في مذكرة التفاهم والغاضبة منها، تعارض أهم أهداف إيران في الاتفاق، وهو وقف الضربات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان.

إسرائيل ترى في حزب الله تهديدًا وجوديًا، لذلك ترفض تقييد حركتها ضد الحزب، كجزء من اتفاق أمريكي – إيراني. الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان دفعت إيران للضغط مجددًا على المضيق، لتشتعل الحرب من جديد.

لم يفشل الاتفاق بسبب نقاط خلافية فحسب، بل لأنه كان وثيقة بلا إرادة تنفيذية حقيقية، غامضة بما يكفي لتسمح بتفسيرات متضاربة، وموقعة من أطراف لا تملك السيطرة الكاملة على الأرض، بينما أطراف أخرى تملك القدرة على إفشاله. هذه الوصفة كانت كفيلة بجعل الاتفاق قابلًا للانهيار قبل أن يبدأ.

صارت الحرب بلا هدف استراتيجي واضح سوى المفاوضات تحت النار التي ثبت فشلها.