دعوة الإخوان للحوار.. الذاكرة لا تسقط بالتقادم!

جمال حسين

جمال حسين

كاتب صحفي

بين حين وآخر، تطل علينا جماعة الإخوان بوجهها القبيح من أحد معسكريها، سواء في إسطنبول بقيادة محمود حسين أو لندن بقيادة صلاح عبدالحق، بدعوات جديدة لما تسميه «دعوة للحوار الوطني»، في محاولة جديدة لإيجاد موطئ قدم للعودة من جديد إلى المشهد السياسي، بعدما لفظهم الشعب المصري في ثورة شعبية قبل 13 عامًا، متعمدةً تجاهل جرائمها في حق الشعب المصري والدولة المصرية، وسنوات العنف والإرهاب، والأحداث التي تركت جراحًا عميقة في ذاكرة كل المصريين.

فمنذ أيام فوجئنا بالجماعة تصدر بيانًا جديدًا تدعو فيه القوى والتيارات السياسية والاجتماعية إلى إطلاق حوار وطني لاستعادة الاصطفاف ولمِّ شمل القوى الوطنية، وتقريب المسافات، وتجاوز الأزمات.

لكن هذه الدعوة المتجددة لم تنطلِ على أحد، ورفضها الجميع، لأنها ليست سوى محاولة لإعادة تقديم الجماعة لنفسها في ثوب جديد، تمهيدًا للعودة إلى المشهد السياسي بعد أن فقدت رصيدها الشعبي.

فالحوار الوطني الحقيقي يقوم على الاعتراف بالدولة ومؤسساتها، واحترام إرادة شعبها، والالتزام بالدستور والقانون، وليس على محاولة استغلال الحوار كجسر للعودة إلى الساحة السياسية دون مراجعات واضحة أو تحمل للمسئولية عن أخطاء الماضي.

لقد قال الشعب المصري كلمته في محطات مفصلية من تاريخه، حين خرج بالملايين رافضًا استمرار حكم الجماعة، ومطالبًا بمسار سياسي مختلف. ومن ثم، يرى كثيرون أن تجاوز تلك الإرادة الشعبية، أو التعامل معها باعتبارها صفحة يمكن طيها ببساطة، هو تجاهل لحقيقة سياسية لا يمكن إنكارها.

كما أن ملف العنف الذي شهدته مصر خلال سنوات مضت لا يزال حاضرًا في أذهان المصريين، وقد صدرت أحكام قضائية في عدد من القضايا المرتبطة بأعمال عنف وإرهاب تورط فيها أفراد أو قيادات منتمون للجماعة أو مرتبطون بها، بينما تبقى المسئولية الجنائية مسئولية فردية يحددها القضاء وحده. ولهذا، فإن أي حديث عن المصالحة أو الحوار لا يمكن أن يتجاهل حقوق الضحايا وسيادة القانون.

إن الدول لا تُبنى بالمناورات السياسية، ولا تُدار بمنطق العودة من النوافذ بعد أن أُغلقت الأبواب بإرادة شعبية. فالثقة لا تُستعاد بالشعارات، وإنما بالمراجعات الصادقة والالتزام الواضح بنبذ العنف واحترام الدولة الوطنية.

ولذلك، فإن من يرى أن دعوات الجماعة للحوار ليست سوى محاولة لاستعادة النفوذ السياسي، يؤكد أن الأولوية اليوم ليست لإعادة إنتاج صراعات الماضي، وإنما لترسيخ الاستقرار، ودعم مؤسسات الدولة، ومواجهة التحديات الاقتصادية والتنموية التي تهم المواطن المصري.

لقد تجاوزت مصر مرحلة بالغة الصعوبة، ودفع أبناؤها ثمنًا باهظًا من أجل الحفاظ على الدولة ومؤسساتها. ومن ثم، فإن مستقبل الوطن، في نظر هؤلاء، يجب أن يُبنى على احترام الإرادة الشعبية وسيادة القانون، لا على إعادة تدوير تجارب يعتبرون أنها أثبتت فشلها.

لقد أعلنتها مصر، قيادةً وحكومةً وشعبًا، مرارًا، أنه لا حوار مع مَن تلوثت أيديهم بدماء المصريين، واتخذت مصر موقفًا سياسيًا ومبدأً ثابتًا في الخطاب الوطني الرسمي والشعبي برفض أي مصالحة أو تسوية مع الأطراف والجماعات التي مارست العنف أو التحريض ضد مؤسسات الدولة والمواطنين، ورفضت مشاركة أي عناصر متورطة بشكل مباشر في أعمال عنف، أو عمليات إرهابية، أو تحريض أدى إلى إراقة الدماء، في الحوار الوطني أو العفو الرئاسي عن المسجونين.

لكن التنظيم الدولي للإخوان في لندن يحاول جاهدًا اختراق المشهد السياسي الحالي، مستغلًا تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران للبحث عن منفذ للخروج من عزلتهم.

بالتأكيد، القاصي والداني يعرف أن الجماعة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ تأسيسها، بعدما تحولت الخلافات الداخلية بين قياداتها في الخارج إلى انقسامات معلنة بين جبهات متنافسة تتصارع على النفوذ والقرار.

فبعد سنوات من اعتماد الجماعة على فكرة التنظيم المركزي والقيادة الموحدة، كشفت التطورات الأخيرة عن واقع مختلف داخل صفوفها، حيث باتت الخلافات الفكرية والتنظيمية بين جبهتي لندن وإسطنبول، اللتين فشلتا في الوصول إلى أي صيغة للمصالحة، رغم محاولاتهما المتكررة.

كما فقد شباب الجماعة الثقة في قيادتي الجبهتين المتصارعتين، وارتفعت الأصوات بتحميلهما فاتورة تبعات ما حدث.