من هاني شنودة إلى ثورة يوليو.. مَن يعيد ترميم مدارس الثقافة المصرية؟
قد يرحل المبدعون، لكن المدارس التي صنعتهم يجب أن تبقى، فالأمم لا تُقاس بعدد العظماء الذين أنجبتهم، بل بقدرتها على صناعة أجيال جديدة من المبدعين، ورحيل كبار المبدعين لا يمثل فقدان أشخاص فحسب، بل يذكرنا بخطر تراجع المؤسسات والمدارس التي كانت تكتشف المواهب وتصقلها، وتنقل الخبرة من جيل إلى جيل.
ومن هنا يبدو التزامن بين ذكرى ثورة 23 يوليو ورحيل الموسيقار هاني شنودة، لحظة مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري: كيف صنعت مصر عبر تاريخها الحديث، هذا العدد الكبير من المبدعين؟ وهل آن الأوان لإعادة ترميم المدارس التي أنجبتهم؟
لم يكن هاني شنودة مجرد موسيقار بارز، بل كان أحد أبناء مدرسة موسيقية مصرية عريقة، امتدت جذورها عبر أجيال من المبدعين الذين أسهموا في تشكيل وجدان المصريين والعرب، كما أن ثورة يوليو، رغم أنها تُقرأ غالبًا بوصفها تحولًا سياسيًا، شهدت مرحلة توسع فيها اهتمام الدولة ببناء الإنسان، وتعزيز دور الثقافة والتعليم والإعلام ضمن مشروعها الأوسع لبناء الدولة.
غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي التأكيد على أن النهضة الثقافية المصرية بدأت قبل ثورة يوليو بسنوات طويلة، ثم جاءت مرحلة الخمسينيات والستينيات لتضيف إليها دعمًا مؤسسيًا واتساعًا في نطاقها، عبر تطوير المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، وإطلاق مبادرات عززت حضور مصر الثقافي عربيًا.
وخلال تلك المرحلة تعزز دور الإذاعة المصرية، وانطلقت إذاعة القرآن الكريم عام 1964، وتأسست أكاديمية الفنون عام 1959، وتوسعت الحركة المسرحية والسينمائية، ونشطت حركة النشر والترجمة، حتى أصبحت القاهرة مركزًا رئيسيًا للإبداع العربي، وغدت القوة الناعمة المصرية إحدى أبرز أدوات تأثيرها في محيطها.
ولم يكن هذا التأثير مجرد انطباع، بل عكسته أعمال فنية وأدبية وموسيقية ما زالت حاضرة في الذاكرة العربية، وأسهمت في ترسيخ صورة مصر بوصفها مركزًا للإبداع والثقافة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي أن نتغنى بالماضي، أم أن مسئوليتنا الحقيقية هي إعادة بناء المدارس التي صنعت ذلك الماضي؟
إن الحديث عن إعادة ترميم مدارس الثقافة المصرية لا يعني استنساخ تجربة تاريخية لن تعود، ولا البحث عن نسخة جديدة من محمد عبدالوهاب، أو أم كلثوم، أو نجيب محفوظ، أو هاني شنودة، وإنما يعني إعادة بناء منظومة تكتشف الموهبة، وترعاها، وتمنحها الفرصة لتبدع بلغتها وعصرها.
فهذه المدارس ليست مدرسة واحدة، بل منظومة تضم الموسيقى، والأدب، والمسرح، والسينما، والصحافة، والفنون التشكيلية، والترجمة، والنقد، وكل مؤسسة تسهم في تشكيل الوعي والوجدان.
إن استعادة المكانة الثقافية المصرية لا تبدأ بالشعارات، وإنما بإصلاح التعليم، ودعم المؤسسات الثقافية، واكتشاف المواهب، والاستثمار في الإبداع، وتوظيف التكنولوجيا لخدمة الثقافة، وتحويل القوة الناعمة إلى جزء أصيل من مشروع التنمية الوطنية.
إن أعظم تكريم يمكن أن نقدمه لهاني شنودة ولجيل الرواد ليس أن نكتفي باستعادة ذكراهم، بل أن نواصل رسالتهم، وأن نعيد بناء البيئة التي أنجبتهم، حتى يصبح لكل جيل رواده، ولكل عصر مبدعوه.
لقد علمنا التاريخ أن الريادة لا تورث، بل تُبنى. وأن المكانة الثقافية لا تُحفظ بالحنين إلى الماضي، وإنما بالعمل على صناعة المستقبل.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمامنا جميعًا: هل آن الأوان لتستعيد مصر مكانتها كعاصمة للثقافة العربية، عبر مشروع وطني لإعادة ترميم مدارس الثقافة المصرية؟!
إن استعادة مكانة مصر الثقافية لا تعني العودة إلى الماضي، بل بناء ريادة جديدة تستلهم أسباب النجاح، وتواكب العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتمنح الأجيال القادمة فرصة لصناعة تاريخ ثقافي جديد.