الرفض يمنح ثقلاً لرسالة الأمين العام
وسط مشهد إقليمي شديد التأزم جراء تصاعد الصراعات في المنطقة، يستقبل الدبلوماسي المخضرم نبيل فهمي مهامه أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية في توقيت يضع أمام المنصب أصعب المهام السياسية والدبلوماسية.
نبيل فهمي يمتلك ثقلًا سياسيًا، وخبرة دبلوماسية واسعة اكتسبها خلال تجربته وزيرًا للخارجية خلال فترة واجهت مصر فيها تحولات جذرية لتستعيد مكانتها من براثن جماعة إرهابية، وتميز بالانفتاح على مختلف الرؤى، وكفاءة التعامل مع القادة العرب، بالإضافة إلى خلفية أكاديمية تؤهله لإعداد برنامج إصلاح جذري لمنظومة العمل العربي المشترك وتحريك قدرات الجامعة العربية من مجرد تفاعل إصدار البيانات إلى تعزيز مساحة أوسع من التأثير في الملفات العربية والإقليمية، بالإضافة إلى الارتقاء بدور الجامعة العربية بما يواكب الأحداث والصراعات الدائرة في المنطقة ويحقق انتقال الجامعة العربية إلى مكانة أكثر تأثيرًا.. عناوين ملفات ثقيلة تمثل أهم التحديات أمام الأمين العام.
لأن هلاوس الاستفزاز الصهيوني لا حد لها ولا تخلف مواعيدها، بادر الجانب الإسرائيلي إلى رفض زيارة الأمين العام إلى رام الله ولقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
نبيل فهمي بدوره رد حاسمًا على الموقف في صيغة بليغة تجمع بين الدبلوماسية والحسم، مؤكدًا أنه لن «يُغلَب»، وأنه سيلتقي الرئيس الفلسطيني قريبًا، لأن منع الزيارة لن يحول دون استمرار التواصل مع الجانب الفلسطيني، مضيفًا أن الرفض متوقع في ظل الوضع الأمني الداخلي في إسرائيل وإحساسهم بالمظلومية.
رفض إسرائيل الزيارة قطعًا تمتد أبعاده إلى مغزى أكبر يحمل إشارات متعددة. معنى استهلال نبيل فهمي زياراته الخارجية إلى رام الله يؤكد أن الملف الفلسطيني يأتي في مقدمة أولويات الأمين العام لجامعة الدول العربية، وأنها ما زالت تمثل الإطار الجامع للعمل العربي المشترك.
في المقابل، يأتي القرار في ظل سياسة إسرائيلية تسعى لعزل فلسطين عن محيطها العربي والدولي وتقويض مؤسساتها بعدما منعت في السابق 12 وفدًا وزاريًا عربيًا من زيارة رام الله، مقر السلطة الفلسطينية، كونها العنوان السياسي الأساسي للقضية الفلسطينية.
هذا المغزى السياسي لا يُقرأ بعيدًا أيضًا عن رغبة إسرائيل في إعاقة أي دور للجامعة العربية في ملف القضية الفلسطينية، تحديدًا بعدما تسببت الاعتداءات الوحشية الصهيونية على قطاع غزة والضفة الغربية في إعادة القضية الفلسطينية إلى الاهتمام الدولي والإقليمي، لتؤكد حتمية إعادة المسار السياسي كونه الحل الوحيد الذي يضمن استقرار الأمن الدولي والإقليمي، الحل الذي أصرت مصر عليه وما زالت حول إقامة دولة فلسطينية وإعطاء الشعب حقوقه في العيش بسلام على أرضه.
المزاج السياسي والشعبي حاليًا في إسرائيل لا يبدو منسجمًا مع فكرة الدولتين، بالتالي إسرائيل تريد إقصاء أي عمل يعيد القضية إلى بؤرة الاهتمام بكل ما يحمله من دلالات سياسية. قرار الرفض يضاهي كل التخبط والعبث اللذين اتسمت بهما قرارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة.
إذ حتى حروبه التي أشعلها فقدت الجدوى بعد فشل تحقيق الأهداف التي أعلن عنها. بالتالي منح قرار رفض الزيارة رسالة الأمين العام لجامعة الدول العربية ثقلًا سياسيًا، تأكد بعد لقاء جمعه مع محمود عباس في الأردن.
نبيل فهمي نجح في تأكيد رسالته للعالم، مقدمًا دليلًا قاطعًا على أن الرفض الإسرائيلي للتمسك العربي بمركزية القضية الفلسطينية لن يمثل على أرض الواقع أي تأثير على إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة ضمن أولويات الاهتمام العربي، رغم كل المحاولات الخائبة لقتلها سياسيًا أو أمنيًا عن طريق القوة المفرطة في انتهاك وسلب حقوق الشعب الفلسطيني، أو أي طرق أخرى لإلغاء موقع القضية من الأجندة الدولية.