محنة الأستاذ جلال عبدالقوي
كنت أرى والدي، رحمه الله، وهو يشاهد باهتمام بالغ مسلسل «سوق العصر» للكاتب الكبير محمد جلال عبدالقوي، والمخرج هاني إسماعيل، والذي شارك فيه نخبة من نجوم الدراما في مصر، منهم الأستاذ محمود ياسين والفنان أحمد عبدالعزيز والفنانة غادة عبدالرازق، وكنت أتابع والدي وهو يتجاوب مع الأحداث كما لو كان يشاهد مباراة كرة قدم، فيتأثر حزناً أو ضحكاً على ما يشاهد، فلقد كانت الوقائع والأحداث بالنسبة له هي تعبيراً واقعياً عما مر به من تجربة مريرة في ستينات القرن الماضي، ولعل الجيل الحالي لم يشاهد أيضاً متابعة الجمهور المصري لأعمال درامية كبيرة كانت تخلو فيها الشوارع وتتحلق الأسر حول جهاز التليفزيون لمشاهدة حلقات (المال والبنون) أو (حضرة المتهم أبي)، أو (الليل وآخره)، وغيرها من الأعمال التي جعلت للكاتب الكبير محمد جلال عبدالقوي مكانة عظيمة في قلوب محبي الدراما التليفزيونية على مدى عقود، سطر فيها اسمه بحروف موشاة بالاحترام والتقدير ومحبة جماهير عاشت لسنوات طوال تستمتع بأعماله الخالدة.
لم يتوقف الأمر عند الاستمتاع بهذه الأعمال فقط بل امتد ليشكل تأثيراً فكرياً وسياسياً كبيراً على جمهوره، وأنا منهم، خاصة أنه قلما، بل نادراً ما تحدث سقطة أو خطأ تاريخي في أعمال محمد جلال عبدالقوي، ومن هنا فقد اكتسب مصداقية واحترام وثقة جمهور كبير، كما أنه في سبيل ذلك دخل في حروب وصدامات كثيرة من بعض القوى التي اعتبرت نفسها صاحبة الحق في الدفاع عن حقبة بعينها، فلا تسمح لأحد بالنقد أو حتى كشف الحقائق، وكان هو بكل شجاعة يقدم عملاً وراء عمل، ملتزماً بمواد علمية تاريخية، سطرها كبار المؤرخين، وأضاف هو عليها رؤيته الدرامية ومسحته الفنية.
اتسمت أيضاً أعمال الكاتب الكبير محمد جلال عبدالقوي بالوطنية الخالصة لمصر، ومصر وحدها، في زمن كان الكثيرون يغازلون ويتلقون التوجيهات المدعومة بالدولارات من أجل تغييب الشعب المصري وقلب الحقائق، لكن «عبدالقوي» ظل ومعه آخرون من جيل لم يكن يعرف سوى مصر ومصلحتها وهويتها، حتى وإن اختلفوا أو تعددت رؤاهم، لهذا عاشت أعماله وأعمال هؤلاء الكبار من أمثال الكاتب الكبير وحيد حامد والكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة وغيرهم ممن أمتعونا وظلوا خالدين بأعمالهم التي أمتعتنا، والتي أضاءت عقولنا أيضاً.
منذ سنوات انسحب الأستاذ محمد جلال عبدالقوي، رغم أنه مازال يملك من الأعمال الفنية ما يمكن أن يحرك المياه الراكدة في الدراما التي شوهتها ورش الكتابة والموضوعات المكررة التي لا تحمل أي قيمة أخلاقية أو حتى فنية، لكن الرجل بتكوينه الأخلاقي لن يسعى لأحد بل من الواجب السعي إليه.
أقول هذا والرجل يمر الآن بأصعب محنة يمكن أن يمر بها بشر، وهي فقد الابن، والابن الوحيد الفنان أحمد جلال عبدالقوي، الذي كان في يوم من الأيام أحد الأبطال المُبشرين بمستقبل كبير على الساحة الفنية، والذي اختفى منذ سنوات طوال لنتلقى خبر وفاته، ولعل من واجبنا نحن من أسعدتنا أعمال محمد جلال عبدالقوي وشكلت وجداننا وعقولنا، فإن من حقه علينا أن نشاركه حزنه الكبير، وأن ندعو له بالصبر على مصابه، وأن يتجاوز هذه المحنة الكبرى بمنحة من الله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ). سورة محمد آية 31، عزاؤنا له كبير قدر ما أسعدنا، وأسعد أجيالاً كاملة، ودعواتنا له خالصة أن يربط الله على قلبه.