انهيار الشركات العالمية العائلية
هل سقط هذا المشروع بضربة قاسية من السوق العالمي المتقلب أم بيد من داخل الأسرة؟.. سؤال جاء لذهني عندما أقرأ عن شركة أو مصنع صاحب تاريخ طويل في الأسواق العالمية.
إن حكايات النجاح الأولى دائماً ما تخطف الأنظار وتستحق الإجلال فهى تبدأ برجل عصامي بدأ رحلته من الصفر حتى صنع اسماً يتردد في كل الألسنة لكن المفارقة القاسية تكمن في أن تأسيس النجاح شيء وحمايته بعد رحيل المؤسس أو تقاعده شيء آخر مختلف تماماً فالاختبار الحقيقى لأي شركة أو مصنع كبير في معادلة التجارة العالمية لا يبدأ يوم افتتاحها بل يوم انتقالها من جيل إلى جيل.
ولعل أشهر النماذج العالمية ما شهدته شركة غوتشى الإيطالية التي تحولت من مشروع عائلى إلى واحدة من أكثر العلامات التجارية الفاخرة تأثيراً في العالم، لكن الخلافات الحادة بين أفراد العائلة حول الإدارة والملكية تحولت إلى صراعات استنزفت الشركة لسنوات وانتهت بخروج العائلة بالكامل من ملكيتها وانتقالها إلى إدارة احترافية مستقلة، لتبقى العلامة التجارية بينما يغيب عنها أصحابها الذين صنعوا اسمها في البداية، وهى قصة تؤكد أن الصراع داخل المؤسسة قد يكون أخطر من المنافسة خارجها.
وتكشف الدراسات العالمية حقيقة صادمة وهي أن نحو 30% فقط من الشركات العائلية في العالم تنجح في الانتقال إلى الجيل الثانى بينما لا يصل إلى الجيل الثالث سوى نحو 12% وتنخفض النسبة إلى أقل من 3% مع الجيل الرابع، وهى أرقام تعكس أن المشكلة ليست في تأسيس الشركات وإنما في استدامتها عبر الأجيال.
وعلى أرض الواقع الاقتصادى العالمي كم من شركات عالمية عائلية فقدت مكانتها أو تعطلت توسعاتها أو باعت أصولها لأن الورثة انشغلوا بالصراع على رئاسة الشركة أكثر من انشغالهم بالحفاظ على الكيان.
وفي المقابل يقع بعض أبناء الجيل الثانى أو الثالث في وهم خطير فيظنون أن اسم العائلة وحده يكفي لقيادة المؤسسة بينما السوق لا تعترف بالألقاب ولا بالميراث، فالعميل لا يهمه سوى المنتج الجيد والخدمة السريعة والجودة المستمرة.
وفي عصر الاقتصاديات العالمية تتغير الأسواق فيه بسرعة، أصبح من الضرورى أن يرث الجيلان الثانى والثالث منظومة متكاملة من الحوكمة والإدارة الحديثة والتحول الرقمى والاعتماد على الكفاءات لأن المؤسسة التي تعتمد على شخص واحد تموت برحيله، أما المؤسسة التي تعتمد على نظام واضح فإنها تستطيع أن تعيش لعقود.
فالجيل الأول يبنى الحلم، والجيل الثانى يختبر قدرته على الاستمرار، أما الجيل الثالث فيكتب الفصل الأخير من القصة؛ إما أن يثبت أن النجاح كان ثقافة مؤسسية راسخة، وإما أن يكشف أنه كان مجرد بطولة فردية انتهت بانتهاء صاحبها.