أثر دمج جيشي أمريكا وإسرائيل

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

يشهد العالم وربما لأول مرة في التاريخ دمج جيشين لبلدين ليس بينهما حدودًا جغرافيا، بل يفصل بينهما محيطًا وبحرًا كبيرًا ويبعدان عن بعضهما آلاف الكيلومترات . البلدان هما أمريكا وإسرائيل . خطوة تتجاوز حدود التحالف التقليدي لتضفر نسيجا استراتيجيا هو الأول من نوعه . لم تكن هذه الخطوة مفاجئة ، بل جاءت ثمرة بذور غرست منذ عقود ، ازدهرت تحت وطأة التحولات الإقليمية في الشرق الأوسط , خاصة بعد الحرب على إيران ، حيث وصلت إلى ذروتها بتكامل عملياتي وتكنولوجي غير مسبوق في تاريخ التعاون العسكري بين دولتين مستقلتين .

تعود البدايات إلى أيام النشأة الأولى لدولة الاحتلال ، رأت أمريكا في الدولة الصهيونية حاملة طائرات ثابتة على الأرض في منطقة مضطربة مليئة بالبترول والتوترات العقائدية . كان الدعم الأمريكي سياسيا واقتصاديا ، ثم تحول تدريجيًا إلى دعم عسكري مع صفقات الأسلحة والمساعدات . لكن التحول الحقيقي جاء مع انتقال إسرائيل إلى نطاق القيادة المركزية الأمريكية في عام 2022 ، بعد عقود من التبعية للقيادة الأوروبية . كان ذلك بسبب اتفاقيات إبراهيم وتصاعد التوتر مع إيران ، التي جاءت بمثابة بوابة لتكامل استراتيجي أعمق . أصبحت إسرائيل جزءًا من الهيكل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط ، ما مهد لتدريبات عسكرية مشتركة كبيرة مثل جونيبر أوك ، وتبادل معلومات استخباراتية فوري ، وتنسيق عملياتي في مواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية .

جاء التصعيد ضد إيران ليرفع هذا التكامل إلى مستويات وصفتها قيادات عسكرية بأنها غير مسبوقة . مراكز تنسيق مشتركة ، آلاف المكالمات اليومية بين الضباط ، تبني إسرائيل للتوقيت العالمي لتزامن الساعات العسكرية . خلال ذلك جاء مشروع قانون الدفاع الوطني الأمريكي للسنة المالية 2027 . تضمن البند 219 من المشروع تعيين وكيل تنفيذي في البنتاجون لتسريع التعاون التكنولوجي في مجالات الذكاء الاصطناعي ، الدفاع الصاروخي ، مكافحة الطائرات المسيرة ، والحرب السيبرانية . لا يعد هذا اندماجا كاملا للجيوش , حيث حافظت كل دولة على سيادتها وقيادتها المستقلة , لكن تكامل يشبه نسج الخيوط في قماش واحد ، حيث تندمج التقنيات الإسرائيلية الميدانية مع القدرات الأمريكية الهائلة .

هذا التكامل ، يحمل بعض الريبة في استقلالية أمريكا وجيشها . التشابك الاستراتيجي يقلل من حرية المناورة الأمريكية ، حيث يسحب واشنطن إلى مواجهات إقليمية أسرع مما قد ترغب فيه ، خاصة في أي تصعيد جديد مع إيران أو وكلائها . كما أن دمج تقنيات إسرائيلية حساسة داخل المنظومات الأمريكية يخلق نوعا من الاعتماد المتبادل على سلاسل التوريد ، مما يشكل تحديًا إذا طرأ توتر سياسي أو تغيرت الأولويات . كما أن التكلفة السياسية ظهرت في الانقسامات الداخلية الأمريكية ، حيث يستغل هذا التعاون كدليل على خضوع أمريكي لضغوط خارجية .

تعزز هذه الخطوة الردع المشترك أمام أي مواجهات إقليمية ، خاصة مع إيران ، وتوفر لأمريكا ميدانا حيا لاختبار أسلحتها في ظروف قتالية حقيقية ، بينما تمنح إسرائيل عمقا استراتيجيا ودعما لوجستيا هائلا . يدعم الدمج الصناعات الدفاعية في البلدين ، ويخلق فرص عمل أمريكية . ومن الناحية السياسية ترسخ إسرائيل كشريك رئيسي في الشرق الأوسط ، مما يقلل حاجة أمريكا لنشر قوات كبيرة على الأرض .

هذه الخطوة تكمل الاستراتيجية الأمريكية العالمية ، فبينما يبقى حلف الأطلنطي ركيزة أساسية لمواجهة روسيا والصين ، يمثل التعاون مع إسرائيل جبهة متخصصة في الشرق الأوسط . إذ تحتاج واشنطن إلى توازن قوى متعدد الجبهات . إسرائيل توفر قدرات استثنائية في الاستخبارات والتكنولوجيا ، لكنها لا تستطيع وحدها حمل عبء الالتزامات الأمريكية العالمية .

الهدف الحقيقي وراء هذه الخطوة ، إعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط . ترغب أمريكا ، مواجهة محور المقاومة الإيراني بتكلفة أقل ، معتمدة على شريك موثوق يشاركها الرؤية حول منع الانتشار النووي وحماية ممرات الطاقة . إنها خطوة تهدف إلى بناء ناتو شرق أوسطي غير رسمي ، يربط إسرائيل بدول الخليج عبر مظلة أمريكية ، ليحول المنطقة من ساحة صراع إلى جبهة مستقرة تخدم مصالح أمريكا .

لنا الحق أن نتساءل عن تأثير هذه الخطوة على الأمة العربية , وما الخطوة التي يجب على العرب اتخاذها لحماية مصالحهم .