الدكتور إبراهيم مجدي حسين يكتب: متى يتحول المرض النفسي إلى خطر؟.. بين بدائية أدواتنا وبراءة الملايين من الوصمة

كاتب صحفي

الكثير من التعليقات الغاضبة والعناوين الصاخبة أثارتها الحادثة التي شهدتها الإسكندرية خلال الأيام الماضية، ومن بين هذه التعليقات تكرر سؤال يتردد دوما مع كل حادث مؤسف وكبير «هل المجرم مريض نفسي؟»، وكأن المرض النفسي صار التهمة الجاهزة والشماعة التي نعلق عليها كل فاجعة.

بصفتي طبيبا نفسيا شرعيا وباحثا في هذا المجال منذ سنوات عديدة، تعاملت مع قضايا قتل أسرية كثيرة، وقضايا لمدمنين قتلوا ذويهم. هذه القضايا هي الأصعب والأعقد على الإطلاق. لأن تقريراً مني ممكن أن ينقذ رقبة من حبل المشنقة، أو يثبت عليه حكم الإعدام. فرغم أنه رأي استشاري، فإنه في الغالب يُؤخذ به في قاعات المحاكم، وهنا تظهر العديد من المحاور المهمة في التعامل مع المرض النفسي في مجتمعنا.

- معضلة التقييم: عندما يكون مصير إنسان في يد «المقابلة»


المشكلة الأساسية أن الطب النفسي الشرعي في العالم العربي لا يزال يعتمد بشكل شبه كلي على أدوات بدائية، مثل المقابلة الإكلينيكية، الاختبارات النفسية الورقية، والخبرة الشخصية للطبيب، والنتيجة؟ تقدير الأهلية الجنائية قد يختلف من خبير لآخر، فتقرير يذكر أن المتهم «فاقد الأهلية»، وتقرير آخر يقول «كامل الأهلية ومدرك ومسؤول»، والفجوة هنا ليست علمية فقط، وإنما قانونية وإنسانية.

في الغرب حاولوا سد هذه الفجوة بالتكنولوجيا، فلجأوا إلى المسح الذري للمخ PET، والرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، وأجهزة رسم المخ الحديثة للبحث عن خلل عضوي، ومن أبرز الأدوات المستخدمة موجة P300، وهي موجة جهد دماغي مرتبطة بحدث معين ERP. تظهر بعد 300 إلى 800 مللي ثانية من إدراك الشخص لمحفز ذي دلالة. تُستخدم في الطب النفسي الشرعي للكشف عن الذاكرة المكبوتة، وتقييم الضعف الإدراكي، ودراسة السلوك العنيف أو الاندفاعي.

لكن السؤال: هل امتلاكنا لهذه الأجهزة يثبت أن المرض النفسي يساوي العنف؟ الإجابة العلمية صادمة لغير المتخصصين.

- حقيقة تخفيها العناوين البراقة: المريض النفسي ضحية لا جاني


عندما أذكر الأجهزة الحديثة والطب النفسي الشرعي وقضايا القتل، سيعتقد القارئ للوهلة الأولى أن العنف منتشر بين المرضى النفسيين، ولكن الأبحاث تقول العكس تماماً، فالدراسات الحديثة تشير إلى أن المريض النفسي أكثر عرضة لأن يكون ضحية للعنف، وأكثر عرضة لأن تُلصق به التهم لعدم قدرته على الدفاع عن نفسه، إذ وجد تحليل تلوي لـ110 دراسات أن خطر العنف لدى مرضى الفصام دون تعاطي مخدرات لا يختلف إحصائيا عن الأصحاء.

وجاء في التحليل عدة أمثلة تثبت أن المريض النفسي ضحية وليس جانيا، منها:


- الاكتئاب: مريض الاكتئاب نادراً ما يقوم برد فعل عنيف. حتى في الاكتئاب العصبي Irritable Depression،حيث يظهر الغضب وقلة الصبر، ويظل الخطر موجها للداخل في صورة أفكار انتحارية أكثر من الخارج.
- الفصام: الربط بين الفصام والعنف مبالغ فيه إعلاميا. العامل الحقي للخطر هو توقف العلاج وتعاطي المواد.
- المخدرات: العامل المشترك الأكبر في جرائم العنف الشديدة هو سوء استخدام المخدرات والكحول، وليس التشخيص النفسي في حد ذاته.

وأكدت دراسة مصرية نشرت في ResearchGate أن نسبة الإجرام بين مرضى الطب النفسي أقل بكثير مما يتخيله المجتمع، وأن الوصمة هي العدو الأكبر.

الإعلام: مصنع الوصمة


هنا مكمن الخطر الحقييقي، الإثارة الإعلامية تبالغ في الربط بين الاضطرابات العقلية، مثل الفصام، وأعمال العنف، ما يضخم العلاقة الإحصائية الضعيفة أصلاً، ويؤدي في النهاية إلى تشويه المرضى النفسيين ووصمهم بما ليس فيهم.

كيف يحدث التشويه؟

1. تضخيم دفاع الجنون: يتم الترويج لدفاع الجنون كأنه شائع. والحقيقة أنه يُثار في أقل من 1% من قضايا الجنايات، ونسبة نجاحه ضئيلة جداً.


2. تجاهل الانتحار: أغلب ضحايا المرض النفسي هم المرضى أنفسهم. معدلات الانتحار في الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب كارثية، لكنها لا تحصل على 1% من التغطية التي تحصل عليها جريمة قتل.


3. فقدان الموضوعية: التدقيق الإعلامي المكثف يجعل من الصعب على الأطباء الشرعيين الحفاظ على الحياد وسرية المريض، ويحول التقرير العلمي إلى مادة للتراشق.


حادثة الإسكندرية يجب أن تدفعنا لاتخاذ وتفعيل عدة خطوات عاجلة، مثل تحديث أدوات التحليل والعلاج النفسي، وإدخال التقييم العصبي والتكنولوجي إلى لجان الطب النفسي الشرعي لتقليل الذاتية في التقارير، كما يجب أن يكون الإعلام مسؤولا، كفوا عن ربط المرض بالجريمة، انقلوا أن المريض النفسي إنسان مريض يحتاج علاج، وليس قنبلة موقوتة، فضلا عن تفعيل القانون ونشر التوعية، وتفعيل العلاج الإجباري للحالات الخطرة، وتكسير وصمة «العيب» التي تمنع 70% من المرضى من طلب المساعدة حتى تتفاقم الحالة.

في النهاية، القاتل ليس المريض النفسي، القاتل هو الإهمال، والوصمة، وأدوات تقييم عفى عليها الزمن، وإعلام يبيع الخوف بدلاً من العلم، فالمرض النفسي مظلوم. وبريء من تهمة العنف التي ألصقناها به ظلماً.