من يخلف «جوتيريش» في قيادة الأمم المتحدة مع تفاقم النزاعات الدولية؟

كتب: محمود العيسوي

من يخلف «جوتيريش» في قيادة الأمم المتحدة مع تفاقم النزاعات الدولية؟

من يخلف «جوتيريش» في قيادة الأمم المتحدة مع تفاقم النزاعات الدولية؟

تتجه أنظار المجتمع الدولى إلى مقر الأمم المتحدة فى نيويورك، حيث تبدأ المنظمة الدولية إجراءات اختيار أمينها العام الجديد، للمرة الأولى منذ عشر سنوات، مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية للأمين العام الحالى، أنطونيو جوتيريش، فى 31 ديسمبر المقبل، حيث تولى الدبلوماسى البرتغالى هذا المنصب منذ عام 2017، وهو الأمين العام التاسع للمنظمة منذ إعلان تأسيسها عام 1945.

وبحسب تحليل نشره موقع «يو إن ووتش» يتنافس ستة مرشحين على قيادة المنظمة الأممية، فى مرحلة توصف بأنها من أكثر الفترات تعقيداً فى تاريخها، فى ظل تصاعد النزاعات الدولية، واتساع الانقسامات بين القوى الكبرى، وتفاقم الأزمات الإنسانية، إلى جانب الضغوط المالية التى تواجه الأمم المتحدة. ويُنظر إلى منصب الأمين العام بوصفه أحد أكثر المناصب الدبلوماسية حساسية فى العالم، إذ يجمع بين دور الوسيط السياسى والمدافع عن مبادئ الأمم المتحدة والإدارى التنفيذى المسئول عن إدارة المنظمة وأجهزتها المختلفة، وفى مقدمتها مجلس الأمن الدولى.

ومن المقرر أن يجرى انتخاب الأمين العام الجديد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، بناءً على توصية مجلس الأمن، ما يجعل موافقة الدول الخمس دائمة العضوية، الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، عاملاً حاسماً فى تحديد هوية الفائز. ومن المتوقع أن تستضيف الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك مناظرة بين المرشحين، فى إطار سعى الدول الأعضاء للتعرف على رؤيتهم بشأن مستقبل المنظمة والإصلاحات المطلوبة.

أولى المرشحات ميشيل باشيليت، رئيسة تشيلى السابقة، البالغة من العمر 74 عاماً، حيث تخوض السباق على أمل أن تصبح أول امرأة تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، بعد أن أخفقت عدة مرشحات فى الفوز بالمنصب عام 2016. وقالت «باشيليت»، فى تصريحات سابقة، إن العالم ربما لم يكن مستعداً سابقاً لاختيار امرأة لهذا المنصب، لكنها تأمل أن يكون الوقت قد حان الآن، معتبرة أن انتخاب امرأة سيبعث برسالة أمل إلى ملايين الأشخاص حول العالم.

وتستند «باشيليت» إلى خبرتها الدولية، بعد توليها منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان بين عامى 2018 و2022، حيث تعاملت مع العديد من الأزمات الدولية، مؤكدة أن خبرتها السياسية والدبلوماسية تمثل أهم نقاط قوتها، رغم إقرارها بعدم وجود حلول سحرية للخلافات داخل مجلس الأمن.

المرشح الثانى لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الدبلوماسى الأرجنتينى رافاييل ماريانو جروسى، الذى يعتمد على خبرته الطويلة فى ملفات الطاقة النووية، إذ يشغل منذ عام 2019 منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية. يرى «جروسى» أن العالم يعيش مرحلة تتزايد فيها مخاطر الانتشار النووى، وهو ما يجعل خبرته ميزة مهمة فى قيادة الأمم المتحدة، مؤكداً أن «المنظمة بحاجة إلى إصلاحات إدارية أكثر من حاجتها إلى إعادة تأسيس».

يقترح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية دمج بعض وكالات الأمم المتحدة، وتقليص الهياكل المتكررة داخل المنظمة، بما يحقق كفاءة أكبر، ويخفض النفقات، ضمن برنامج الإصلاح المؤسسى المعروف باسم (UN80).

المرشحة الثالثة الإكوادورية ماريا فرناندا إسبينوزا، التى وُلدت فى إسبانيا، وتتمتع بخبرة سياسية ودبلوماسية واسعة، إذ شغلت منصب وزيرة خارجية الإكوادور، كما ترأست الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب نشاطها فى مجالات التنمية المستدامة وتغير المناخ، خاصة فى منطقة الأمازون.

ترى «إسبينوزا» أن الأزمة المالية تمثل التحدى الأكبر أمام الأمم المتحدة حالياً، مؤكدة أن المنظمة باتت أمام خيار واضح يتمثل فى «الإصلاح أو التحول أو التراجع». وتدعو إلى تعزيز الشراكة مع المنظمات الإقليمية، وإسناد دور أكبر لأوروبا فى دعم المنظمة مالياً، والمساهمة فى تقريب وجهات النظر بين الدول المتنازعة.

وتوصف المرشحة الرابعة فى السباق لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ريبيكا جرينسبان، النائبة السابقة لرئيس كوستاريكا، بأنها «صوت الدول النامية»، وتشغل حالياً منصب الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، وتُعرف بدورها فى الدفاع عن مصالح الدول النامية فى النظام التجارى العالمى.

وحظيت «جرينسبان» بإشادة واسعة بعد مساهمتها فى التوصل إلى اتفاق أتاح استمرار تصدير الحبوب الأوكرانية، عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. وتدعو إلى منح الأمم المتحدة مساحة أكبر لاتخاذ قرارات جريئة، معتبرة أن البيروقراطية تعيق الابتكار داخل المنظمة، كما تؤيد توسيع عضوية مجلس الأمن، خاصة بمنح أفريقيا وأمريكا اللاتينية تمثيلاً دائماً.

المرشح الخامس لخلافة جوتيريش، الرئيس السنغالى السابق، ماكى سال، الذى يعد أحدث من تولى قيادة دولة بين المرشحين، إذ شغل منصب رئيس الدولة الأفريقية بين عامى 2012 و2024، بعد أن سبق له تولى رئاسة الوزراء. وخلال فترة حكمه شهدت السنغال تنفيذ مشروعات كبيرة للبنية التحتية، إلا أن ولايته الثانية تعرضت لانتقادات واسعة، عقب الاحتجاجات التى اندلعت بعد توقيف زعيم المعارضة، عثمان سونكو، ثم محاولته تأجيل الانتخابات الرئاسية عام 2024، وهو ما أثار أزمة سياسية داخلية. ورغم أن الحكومة السنغالية لم تؤيد ترشحه فى البداية، فإنها أعلنت لاحقاً دعمها الرسمى لحملته.

المرشحة السادسة، كارولين رودريجيز بيركيت، المندوبة الدائمة لجمهورية جيانا لدى الأمم المتحدة، وهى أحدث المنضمين للسباق فى منتصف يونيو الماضى، لتصبح آخر المرشحين إعلاناً لخوض المنافسة. شغلت «بيركيت» سابقاً منصب وزيرة الخارجية فى الدولة الواقعة على الساحل الشمالى لأمريكا الجنوبية، كما تولت عدداً من المناصب داخل الأمم المتحدة، وتنتمى إلى السكان الأصليين للأمريكتين.

ويؤكد رئيس جيانا، محمد عرفان على، أن برنامج مرشحة دولته يركز على تعزيز التعددية الدولية، ورفع كفاءة الأمم المتحدة، وتحسين قدرتها على الاستجابة للتحديات العالمية، مع دعم نظام حوكمة عالمى أكثر شمولاً وتمثيلاً.

ووفق تقرير لموقع التليفزيون الألمانى «دويتشه فيله»، فإنه أياً كان الفائز، فإنه سيتولى قيادة الأمم المتحدة فى مرحلة تواجه فيها المنظمة تحديات غير مسبوقة، تشمل استمرار الحرب فى أوكرانيا، والصراع فى غزة، والتوترات فى الشرق الأوسط، والتنافس بين القوى الكبرى، وأزمة تمويل المنظمة، إضافة إلى المطالب المتزايدة بإصلاح مجلس الأمن، ليعكس موازين القوى فى القرن الحادى والعشرين.

وبالنسبة للمرشحين الستة، فإن الفوز بالمنصب لن يكون نهاية السباق، بل بداية لاختبار صعب، يتمثل فى استعادة دور الأمم المتحدة كمنصة رئيسية للحوار الدولى، وحفظ السلم والأمن، فى عالم يشهد تغيرات متسارعة.


مواضيع متعلقة