«ترامب».. الخطر الأكبر على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي
«ترامب».. الخطر الأكبر على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي
فى مقال شديد اللهجة، اعتبر الكاتب والمعلق المختص بالشئون الخارجية فى صحيفة «الجارديان» البريطانية، سايمون تيسدال، أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أصبح الخطر الأكبر الذى يهدد الاستقرار العالمى، وليس إيران كما يروج، متهماً إياه بإقحام الولايات المتحدة فى حرب مفتوحة بلا أفق، وتعريض الاقتصاد العالمى لمخاطر جسيمة، وتقويض مكانة «واشنطن» الدولية.
«الجارديان»: «رجل البيت الأبيض» تحول إلى «سلاح دمار شامل» يقود العالم نحو فوضى بلا نهاية
ويرى الكاتب المختص بالشئون الخارجية أن استئناف القصف الأمريكى ضد إيران يعكس عجز «رجل البيت الأبيض» عن إيجاد مخرج من الحرب التى بدأها بنفسه، مشيراً إلى أن الضربات العسكرية لم تعد تستهدف المواقع العسكرية فقط، بل امتدت بصورة متزايدة إلى البنية التحتية المدنية، وهو ما يؤدى إلى تعزيز تماسك النظام الإيرانى المتشدد بدلاً من إضعافه، رغم ما يتحمله الشعب الإيرانى من معاناة.
ويقول «تيسدال» إن رئيس الولايات المتحدة، ووزير دفاعه، بيت هيجسيث، دأبا على إعلان انتصارات لا وجود لها على أرض الواقع، مستشهداً بتصريحات «ترامب» الأخيرة التى أكد فيها أنه «يحقق انتصاراً كبيراً»، بينما لا يصدق أحد هذه الرواية، على حد تعبير الكاتب، فى ظل استمرار الخسائر البشرية والاقتصادية وتصاعد الانتقادات الدولية للأداء الأمريكى.
ويضيف أن الهدف الأمريكى الحالى انحصر فى محاولة استعادة السيطرة على مضيق «هرمز»، الذى أُغلق نتيجة التصعيد العسكرى، بينما أصبحت الأهداف الكبرى التى أعلنتها «واشنطن وتل أبيب»، مثل إنهاء البرنامج النووى الإيرانى، وإضعاف الميليشيات الحليفة لـ«طهران»، أو تغيير النظام الإيرانى، أكثر بعداً عن التحقيق من أى وقت مضى.
ويرى الكاتب أن المشكلة الأساسية لا تكمن فى قوة الحرس الثورى الإيرانى، وإنما فى ضعف القيادة الأمريكية نفسها، مشيراً إلى أنه إذا كانت إيران تمثل بالفعل تهديداً وجودياً كما يصفها «ترامب»، فإن المنطق العسكرى كان يقتضى شن حرب شاملة، كما فعل الرئيس الأمريكى الأسبق، جورج بوش الابن، عند غزو العراق عام 2003، رغم أن تلك الحرب انتهت بكارثة استراتيجية.
لكن «ترامب»، بحسب المقال، لا يملك الجرأة على خوض حرب برية واسعة ضد إيران، وفى الوقت نفسه يرفض الاعتراف بخطئه فى إشعال مواجهة لا يستطيع إنهاءها، مفضلاً الاستمرار فى حرب استنزاف طويلة تهدد المدنيين والقوات الأمريكية، وتعرض حلفاء «واشنطن» فى الخليج للخطر، وتلحق أضراراً بالاقتصاد العالمى، وتزيد احتمالات المجاعة فى الدول الفقيرة، بينما تمنح خصوم الولايات المتحدة، من «موسكو» إلى «بكين»، مكاسب سياسية واستراتيجية، فضلاً عن تقويض القانون الدولى، والإضرار بمستقبل الحزب الجمهورى انتخابياً.
ويخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أن «حب ترامب لذاته، وليس إيران، هو العدو الأول للعالم»، معتبراً أنه أصبح بمفرده «سلاح دمار شامل» يدفع الصراع نحو مزيد من التصعيد، ويشير فى هذا الصدد إلى أن نمط اتخاذ القرار لدى الرئيس الأمريكى يتكرر فى مختلف الملفات، إذ خاض الحرب دون الرجوع إلى الكونجرس، أو التشاور مع الحلفاء، أو حتى الرأى العام الأمريكى، ومن دون استراتيجية واضحة، أو رؤية طويلة المدى، معتمداً على وعود إسرائيلية بتحقيق نصر سريع، ومتجاهلاً تقديرات الخبراء بشأن المخاطر العسكرية والإقليمية.
كما ينتقد الكاتب ما وصفه بفشل «خطة ترامب للسلام فى غزة»، التى تتضمن عشرين بنداً، مؤكداً أن معظم عناصرها، ومنها إعادة الإعمار، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، ونزع السلاح، لم يتحقق منها شىء، بينما تراجعت «واشنطن» عن متابعة تنفيذها، واستمرت العمليات العسكرية، وتعثر وصول المساعدات الإنسانية، وسقط أكثر من ألف قتيل فلسطينى منذ وقف إطلاق النار الذى أُعلن فى أكتوبر.
ويمتد النقد أيضاً إلى تعامل «رجل البيت الأبيض» مع الحرب الروسية - الأوكرانية، حيث يرى الكاتب أنه تجاهل جذور الأزمة، وتعامل مع الصراع بمنطق الانحياز للطرف الأقوى، محاولاً الضغط على الرئيس الأوكرانى، فولوديمير زيلينسكى، لتقديم تنازلات كبيرة، قبل أن يقلص دعمه لـ«كييف»، فى الوقت الذى استمر فيه بمحاولة استرضاء الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين.
ويعتبر الكاتب أن الأزمة الإيرانية الحالية تعكس النمط نفسه من القرارات المتسرعة وسوء التقدير، لافتاً إلى أن مذكرة التفاهم التى وُقعت فى يونيو الماضى لتجميد القتال لمدة 60 يوماً، مقابل استئناف المفاوضات، التى اعتبرها «ترامب» إنجازاً شخصياً، كشفت سريعاً عن ثغرات كبيرة، بعدما بدت وكأنها تمنح إيران اعترافاً فعلياً بسيطرتها على مضيق «هرمز»، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية لاحقاً إلى التراجع عن مواقفها، الأمر الذى عمق أزمة الثقة مع «طهران».
ويؤكد المقال أن تداعيات الحرب تبدو بلا حدود، إذ يواصل الرئيس الأمريكى إصدار أوامر بالقصف يومياً، رغم فشل الضربات السابقة فى تحقيق أهدافها، ومع كل هجوم جديد، يزداد النظام الإيرانى تشدداً، ويتوسع نطاق الصراع، وتتضاءل فرص التوصل إلى حل دبلوماسى للأزمة النووية، التى تقول الولايات المتحدة وإسرائيل إنها السبب الرئيسى للحرب.
ويرى الكاتب أن التخبط الأمريكى بات واضحاً، من خلال التراجع المتكرر فى القرارات، والتهديد بفرض رسوم على الملاحة فى مضيق «هرمز»، ثم التراجع عنها خلال أقل من يوم، إلى جانب استهداف منشآت مدنية، قد يرقى إلى جرائم حرب، فضلاً عن المخاوف الاقتصادية الناتجة عن احتمال فرض «الحوثيين»، المدعومين من إيران، حصاراً على البحر الأحمر.
ويضيف أن الحلفاء الأوروبيين ينظرون بقلق إلى الأداء الأمريكى، بينما يتابع خصوم «واشنطن» التطورات بارتياح، فى الوقت الذى تشهد فيه الأسواق العالمية اضطراباً جديداً وارتفاعاً فى أسعار النفط، مع استمرار تراجع النفوذ الأمريكى فى العالم.
ويتساءل الكاتب عمّن يستطيع وقف «ترامب»؟، مشيراً إلى أن الكونجرس طالبه بوقف الحرب، أو الحصول على تفويض رسمى، لكنه تجاهل ذلك، كما أظهرت استطلاعات الرأى معارضة غالبية الأمريكيين لاستمرار الصراع، وما يفرضه من أعباء مالية ضخمة، دون أن يغير الرئيس موقفه.
ويشير المقال إلى أن روسيا تراقب المشهد من موقع المستفيد، إذ ترى «موسكو» أن الولايات المتحدة تستنزف مواردها العسكرية والاقتصادية فى حرب جديدة بالشرق الأوسط بعيداً عن أوكرانيا، بينما تستغل الصين أيضاً هذا الوضع لتعزيز نفوذها الاقتصادى والسياسى، مع متابعة الرئيس الصينى، شى جين بينج، عن كثب لتداعيات ما يجرى، استعداداً لتحقيق مكاسب استراتيجية مستقبلية.
ويختتم سايمون تيسدال مقاله بالقول إن حل «معضلة ترامب» يقع فى النهاية على عاتق الشعب الأمريكى، الذى أوصله إلى السلطة، معتبراً أن الولايات المتحدة بدلاً من أن تصبح «عظيمة مجدداً»، كما وعد «ترامب»، أصبحت أكثر انقساماً وعزلة، وأقل احتراماً على الساحة الدولية، داعياً الأمريكيين إلى إعلان استقلال جديد عن «ترامب»، على غرار إعلان الاستقلال الأمريكى عام 1776.