الحرب الباردة الصينية الأمريكية
رغم أن الرئيس الصيني شي جين بينغ نبه الرئيس الأمريكي ترامب خلال زيارته بكين ألا يترك عقدة ثيوسيديدز تفعل مفعولها بين الدولتين، إلا أن الكلام الشفوي أمر والتطبيق العملي أمر آخر. عقدة ثيوسيديدز تقول بأن من المحتم أن تحارب الدولة الصاعدة الدولة المهيمنة حتى تزيحها وتحل محلها، لكن ترامب اتهم منذ أيام الصين بأنها تدخلت وتلاعبت بالانتخابات الأمريكية عام 2020 بعد أن سرقت بيانات 220 مليون ناخب أمريكي. باتهامه الصين، أطلق ترامب العنان لموجة جديدة من الاتهامات في العلاقات المتوترة أصلاً بين أكبر اقتصادين في العالم. لكن الحقيقة، كما تكشفها الوثائق التي استند إليها ترامب نفسه، تروي قصة مختلفة تماماً.
البيانات التي تحدث عنها ترامب، متاحة للجميع، تباع وتشترى من قبل الحملات الانتخابية والمستشارين السياسيين بصورة قانونية وعلنية. المثير أن التقارير الاستخباراتية الأمريكية التي جرى رفع السرية عنها لا تدعم ما قاله ترامب، أحد هذه التقارير الصادر عن وكالة المخابرات المركزية في أغسطس 2020 أكد صراحة أن الصين لم تنشر ما يؤثر على نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية. التناقض بين الخطاب السياسي والحقائق الميدانية يعكس وجود أزمة في العلاقات الأمريكية الصينية. ما نشهده يتجاوز الخلافات السياسية العابرة، إنه تحول في طبيعة الصراع بين القطبين، صراع لم يعد محصوراً في المجالات الدبلوماسية أو المنافسة الاقتصادية، بل امتد ليشمل مجالات التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي والتأثير الجيوسياسي. فمنذ عام 2022، فقد شرعت واشنطن في بناء حواجز صناعية متكاملة لمنع بكين من الوصول إلى الرقائق الإلكترونية المتطورة، لكن هذه السياسة التي استمرت أربع سنوات فشلت، فاضطرت أمريكا إلى التحول من استراتيجية الاحتواء الشامل إلى نموذج التجارة الخاضعة للرقابة، ما يعد اعترافاً بفشل سياسات العزل التكنولوجي.
أدت محاولات واشنطن لتجميد قطاع أشباه الموصلات الصيني إلى نتائج عكسية، بدلاً من إضعاف بكين، خلقت بيئة تنافسية مستقلة، تغذيها ميزانيات ضخمة من الدولة الصينية، تعمل وفق مسار تنموي مستقل. أطلقت وزارة المالية الصينية الصندوق الوطني الثالث لصناعة الدوائر المتكاملة بقيمة 344 مليار يوان (نحو 47.5 مليار دولار) لبناء سلسلة توريد مكتفية ذاتياً. في مشهد يعكس عبقرية التكيف الصينية، شرعت شركة «سميك» في توسيع إنتاجها لتصل طاقتها إلى 80 ألف رقاقة شهرياً بحلول 2027، كما تعمل شركة هواوي على تطوير منهجيات تصميم جديدة تدمج الترانزستورات في مساحة ثلاثية الأبعاد، محققة كثافة أعلى بنسبة 55% من الهياكل التقليدية.
لكن الصراع بين العملاقين يتجاوز سباق التكنولوجيا، إنه حرب باردة اقتصادية بكل المعايير، تحولت أدوات السياسة التجارية إلى أسلحة فتاكة في ساحة المعركة. هذا الصراع وصفته الأوساط الأكاديمية بأنه بطولة جيواقتصادية للسيادة، وصارت دوافع القوة النسبية تعيد تشكيل التدخلات التجارية الاستراتيجية. لم تعد الدول تسعى لتعظيم ازدهارها الوطني فحسب، بل صارت تهدف إلى إضعاف الخصم حتى لو كان ذلك على حساب ازدهارها الخاص. وهو ما يفسر استمرار واشنطن في فرض الرسوم الجمركية رغم الضرر الذي تلحقه باقتصادها، وما يفسر أيضاً إصرار بكين على تطوير قدراتها المحلية رغم التكلفة الباهظة.
تشير التحليلات إلى أن كلا الطرفين يدرك أن المواجهة المفتوحة كارثية، لذا فإن الصراع سيظل محصوراً في إطار المنافسة التكنولوجية والاقتصادية، مع محاولات متبادلة لتحقيق التفوق النسبي دون الوصول إلى نقطة الانهيار الكامل. الخطر الحقيقي يكمن في أن هذه الديناميكية التنافسية تخلق منطقاً ذاتياً للتصعيد، حيث يدفع كل طرف إلى زيادة استثماراته في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي بمستويات تتجاوز الحد المثالي لازدهاره، مما سيؤدي إلى استنزاف الموارد دون أن يحقق أي من الطرفين تفوقاً حاسماً.
أما ما يتعلق بتصريحات ترامب بشأن سرقة الصين بيانات الناخبين، فالحقيقة القانونية والسياسية تقول إن محاسبة الصين على هذا الأساس تبدو مستحيلة عملياً. بالإضافة إلى أن البيانات المتهمة الصين بسرقتها هي بيانات عامة في الأساس، فإن التحدي الأكبر يكمن في أن أي إجراء عقابي ضد الصين في هذا السياق سيكون له تداعيات هائلة على الاقتصاد العالمي، فضلاً عن أنه سيفتح الباب أمام موجة من الاتهامات المتبادلة التي قد تقوض أي أمل في استقرار العلاقات الدولية. من جانبها نفت الصين اتهامات ترامب بشدة، ووصفتها بأنها افتراءات خبيثة ومزاعم لا أساس لها من الصحة، مما وضع واشنطن في موقف محرج، حيث تحتاج أوقوال ترامب إلى أدلة قاطعة وهو ما لا يتوفر حالياً.
يبدو أن صراع القطبين دخل مرحلة جديدة، فكما قال المثل الأفريقي القديم: عندما تتقاتل الفيلة... فإن العشب يعاني. لكن في حالة التنافس التكنولوجي بين أمريكا والصين، قد يكون العشب المستفيد الأكبر، إذ تظهر النماذج الاقتصادية أن الدول الصغرى والمستهلكين في الأسواق العالمية يحصدون فوائد غير متوقعة من هذا التنافس المحموم، حيث تنخفض الأسعار وتزداد جودة المنتجات مع سعي كل طرف لكسب ود العملاء. لكن هذا المكسب المؤقت لا يلغي حقيقة أن العالم كله يدفع ثمن هذا الصراع الذي يهدد بتقسيم النظام الدولي إلى معسكرين متخاصمين، ويعيد إحياء كوابيس الحرب الباردة الأمريكية السوفيتية، التي ظن العالم أنها انتهت إلى غير رجعة.