«الأعمدة القاتلة»: الأبرياء يدفعون ثمن الإهمال

كتب: إبراهيم رشوان وأحمد حفنى

«الأعمدة القاتلة»: الأبرياء يدفعون ثمن الإهمال

«الأعمدة القاتلة»: الأبرياء يدفعون ثمن الإهمال

 لم تقف تداعيات كارثة الأمطار الغزيرة والسيول التى ضربت محافظة البحيرة خلال الأيام الماضية عند سقوط ضحايا جرفتهم السيول العنيفة بمنطقة تجمع «عفونة» التابع لقرية «الحمراء» شمال مركز وادى النطرون، بل امتدت إلى سقوط ضحايا صعقاً بالتيار الكهربائى بالرحمانية وكفر الدوار وأبوحمص ومدينة النوبارية بينهم طفلان.

سقوط ضحايا صعقاً بالكهرباء فى عدد من مدن ومراكز محافظة البحيرة، بالتزامن مع الكارثة التى تعرضت لها المحافظة بشكل غير مسبوق، أحدث حالة من الغضب الشديد لدى المواطنين الذين أعربوا عن استيائهم من أداء شركة البحيرة لتوزيع الكهرباء، وصبوا جام غضبهم على المسئولين بها، متهمين إياهم بالتقصير والتقاعس عن حماية أرواح الأبرياء الذين راحوا ضحية إهمال مسئولى وقيادات الشركة.

{long_qoute_1}

فى مركز الرحمانية، لقى أحمد أمين دياب (17 عاماً)، يقيم بقرية بويط، مصرعه بعد ملامسته أحد الأعمدة الكهربائية مع هطول الأمطار، ونُقلت جثته إلى مشرحة المستشفى العام بالرحمانية، وحُرر محضر بالواقعة، وصرحت النيابة العامة بدفن الجثة. وفى النوبارية لقى محمد مسعود عبدالمقصود (45 عاماً)، عامل بمزرعة بناحية سعد زغلول بالنوبارية، يقيم بمركز كفر الدوار، مصرعه بسبب صعق بالكهرباء.

عبدالفتاح عبدالمنعم إبراهيم (58 عاماً)، عامل ومقيم بقرية عباس العقاد مركز حوش عيسى، تحدث بحزن بالغ والدموع تنهمر من عينيه: «الله يرحمه كان شقيان وتعبان طول عمره، ومقضيها على دراعه عشان ياكلها بالحلال، وعشان أجله لحد كده، مات بعد لمسه عمود كهرباء أمام المزرعة اللى شغال فيها، ربنا يعوض علينا».

وفى كفر الدوار تلقى مأمور مركز الشرطة، إشارة من المستشفى العام بوصول الطفل يوسف نبيل إبراهيم (10 سنوات)، طالب ومقيم بعزبة العزقة التابعة لقرية الملقة دائرة المركز، جثة هامدة إثر صعقه. وقال مبروك محمد عبدالعزيز أحمد (52 عاماً)، عامل زراعى ومقيم بذات القرية، إن الطفل كان يسير بجوار أحد أعمدة الإنارة بالقرية، ما أدى إلى إصابته نتيجة سقوط أحد الأسلاك الكهربائية، متابعاً: «ليه اللى بيحصل ده، وليه شركة الكهرباء بتعمل فينا كل ده، وفين المسئولين وليه مش بيحاسبوا المقصرين والمتسببين فى موت الناس، ولحد إمتى أرواح الناس رخيصة بالشكل ده؟ حرام عليكم».

أحد الضحايا

وفى مركز أبوحمص وحده لقى 4 أشخاص مصرعهم صعقاً بالتيار الكهربائى إثر ملامستهم أعمدة وأسلاكاً بالشوارع، حيث تبين وفاة الطفل محمد إيهاب خطاب (12 عاماً)، بعد أن تعرض لماس كهربائى أثناء سيره بجوار أحد أعمدة الإنارة أمام سنترال أبوحمص، وجمعة عبدالعاطى موسى (35 عاماً)، وسامى محمد إبراهيم (25 عاماً)، كما لقى محمد زكى عبيد عبدالعال (51 عاماً)، حارس بكسارة بلاستيك بقرية أبوعرب مركز أبوحمص، مصرعه صعقاً بالكهرباء.

وقال محمد حسان عبدالحميد سالم (54 عاماً)، صاحب كسارة البلاستيك ومقيم بقرية الدراوية مركز أبوحمص، إن الحارس توفى أثناء قيامه بتوصيل التيار الكهربائى من عمود إنارة للكسارة، متابعاً: «كنت باعتمد على محمد فى كل شىء، وكان مثال للحارس المتفانى فى شغله، ومكنش بيرفض أى عمل فى سبيل المصلحة، الله يرحمه، ومش هتخلى عن أسرته فى أى شىء». أما خميس زكى عبيد عبدالعال (61 عاماً- بالمعاش)، فاكتفى بالقول: «الله يرحمه وربنا يجعل مثواه الجنة، ونحتسبه عند ربنا شهيداً».

وكانت واقعة وفاة الطفل محمد إيهاب خطاب (12 عاماً)، الأكثر ألماً فى نفوس وقلوب أهالى مدينة أبوحمص، خاصة الذين تابعوا لحظات مصرعه صعقاً بالكهرباء، فى ظل غمر مياه الأمطار شوارع المدينة، لاسيما شارع السنترال والموقف العام بالمدينة، الذى شهد الواقعة المؤلمة، وعبر الأهالى عن حزنهم لما تعرض له الطفل البرىء، الذى اغتالته يد الإهمال والتقصير من جانب مسئولى شركتى الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحى والوحدة المحلية بالمدينة، الذين تقاعسوا عن أداء دورهم فى مراجعة شبكة الكهرباء، وتسليك صفايات المطر، وتصريف مياه الأمطار من شوارع المدينة، بعد أن ارتفعت أكثر من مترين، ما تسبب فى وقوع كوارث أودت بحياة أبرياء دون ذنب.

شادى فريج، من أهالى مدينة أبوحمص، أحد شهود واقعة مصرع الطفل محمد إيهاب خطاب، أوضح أن الواقعة كانت مؤلمة وقاسية على الجميع، فلا يمكن أن أروى بشاعة ما تعرض له الطفل صاحب الـ12 عاماً، فمنذ الحادث المؤلم وأنا غير قادر على نسيانه بتفاصيله القاسية جداً على نفسى، لأنى رأيت الطفل وهو يسير فى مياه الأمطار الكثيفة التى غمرت الشارع بجوار السنترال، وفجأة سقط «محمد» فى المياه ولم يتحرك بعدها، حينها وضعت يدى على قلبى، لأنى أدركت أن الطفل مات. ويستطرد «فريج»: «تجمع أهالى وسكان الشارع رغم قسوة الظروف الجوية وهطول الأمطار بغزارة، وسط صراخ وبكاء النساء، وهلع وفزع الرجال، من شدة وقسوة الموقف، وأسرع شخصان من أهالى الشارع ناحية الطفل، ومعهما سلم خشبى لجلب الطفل، لأن المياه كانت مكهربة بالمنطقة التى سقط بها الطفل بجوار عمود الإنارة، وحمل أحدهما الطفل إلى خارج المنطقة المنكوبة، ووضعه بجوار مدخل إحدى العمارات». والد الطفل «محمد إيهاب خطاب»، لم يتمكن من الحديث، واكتفى بالقول: «ما عنديش حاجة أقولها، حسبى الله ونعم الوكيل، عاوز حق ابنى اللى مات هدر وبدون أى ذنب». المهندس محمد عبدالعليم، رئيس مجلس إدارة شركة البحيرة لتوزيع الكهرباء، قال لـ«الوطن»: «إن الشركة تنفذ خططاً سنوية للصيانة وخططاً أخرى للإحلال والتجديد وتغيير الأجزاء المتهالكة من الشبكة والأعمدة والخطوط»، لافتاً إلى أن حجم الشبكة الكهربائية التى تشرف عليها الشركة كبير جداً، حيث يقدر بـ20 ألف محول بمحافظتى البحيرة ومطروح بالأعمدة والشبكات التابعة لها، إضافة إلى فرق للصيانة تعمل على مدار 24 ساعة.

وأكد رئيس شركة كهرباء البحيرة أنهم يعانون بسبب حالات سرقة التيار التى تؤدى إلى وقوع وفيات، مشيراً إلى أنه منذ ثورة 25 يناير حدثت 120 ألف حالة سرقة تيار فى محافظتى البحيرة ومطروح، مضيفاً: اضطررنا إلى فصل الكهرباء خلال أيام الأمطار والسيول عن بعض المناطق بالمحافظة، خاصة وادى النطرون، للحفاظ على أرواح المواطنين ومستعدون للتعويضات.

 


مواضيع متعلقة