«كنت فاهم غلط»

كتب: محمد سعد عبدالحفيظ

«كنت فاهم غلط»

«كنت فاهم غلط»

لم تستهونى يوماً العلاقة بين أبى وأمى، أو على الأقل ما ظهر منها أمامنا.. والدى (أدام الله عليه العافية) التحق بالجيش كضابط احتياط عام 1970، ونتيجة لظروف الحرب استمر فى الخدمة لأكثر من 6 سنوات.

سنوات الجيش الست، وطريقة تربية جدى «حضرة الناظر» نحتت شخصية والدى.. لا يضحك كثيراً، ولا يقبل الهزيمة، «مقاوح»، يقسو على نفسه وعلى من حوله حتى يصل إلى ما يريد.. أول مرة أرى فيها دموعه لحظة خروج جثمان جدى من منزل العائلة، عاد بعدها «الأستاذ سعد»، المسيطر على مشاعره دائماً.

انعكس كل ذلك على علاقة والدى بى وبأختَى وبوالدتى (متعها الله بالصحة).. لم أضبطه يوماً متلبساً بكلمة حب لأمى، رغم ذلك كنت أثق فى حبه لها، كان ذلك يظهر عندما تمرض أو ينهكها العمل و«شغل البيت».

فى المقابل، أمى «مدام فاطمة» السيدة الطيبة العاشقة لـ«تراب رجلين أولادها وزوجها»، حولها عملها كمراجعة حسابات بوزارة الاتصالات ببنى سويف، وواجبات المنزل، إلى ماكينة يتم ضبطها على الدوران من السادسة صباحاً، لتجهزنا للمدارس، ثم تذهب إلى عملها لتعود عصراً فتعد لنا الطعام، وتساعدنا فى «المذاكرة».

كل أيامى حتى المرحلة الثانوية كانت تشبه بعضها البعض، باستثناء يوم الجمعة، فصوت «الغسالة الإيديال»، ورائحة «غلية الغسيل»، كانت تقلق نومى، حتى أنهض مضطراً على صوت أمى، وهى تقول: «اصحى واقلع الغيار اللى عليك».

«ماتش الغسيل» لا يكاد ينتهى حتى تبدأ مباراة «تنفيض ومسيح وطبيخ»، ومع سخونة المباريات، كنت أفضل الهرب إلى قريتنا «الدوالطة»، لألتقى بأصدقائى وأولاد عمومتى، ثم أعود مساء.

«النمطية الأسرية» كانت العنوان الأبرز لحياة أسرتنا.. قررت التمرد على هذا النموذج، وحلمت بشكل الحياة فى منزلى، بعد أن يرزقنى الله بمن أحب، فلن أحبس مشاعرى أو حبى لزوجتى أمام أولادى بدعوى الحياء.

بحثت عن الحب منذ كنت طالباً فى الابتدائية، ودق بابى أكثر من مرة، وبعد أكثر من تجربة قررت أن أحب زوجتى المستقبلية سواء ارتبطت بها قبل الزواج أم لا، وأن أكمل معها كل تجارب الحب، التى فشلت لأسباب متعددة، وأن أقاوم كل أشكال «التنميط»، التى خبرتها فى منزل والدى.

مر على زواجى من «ميس آية» مدرسة الإنجليزى الرقيقة 12 عاماً، رزقنا الله خلالها بـ3 أولاد هم فرحة الدنيا وضحكتها.. فى ظل ظروف الحياة الصعبة ومتطلبات الأسرة وطموحى المهنى والمادى، أدركت أن التمرد على «النمطية الزوجية» حلم يصعب تحقيقه، فأنا وزوجتى صرنا ترسين فى ماكينة الحياة.

«الشغل، والمدرسة، ومذاكرة العيال، والامتحانات، وتدريب السباحة، والأزمة المالية بالجرائد.. إلخ»، شوشر على أى كلمة حب وحاصر المشاعر، فعذراً أبى وأمى.. «كنت فاهم غلط».

 

 

 

 


مواضيع متعلقة