محللة أمريكية: «داعش» حاصر الغرب.. وعملياته ستتزايد فى أوروبا

كتب: عبدالعزيز الشرفى

محللة أمريكية: «داعش» حاصر الغرب.. وعملياته ستتزايد فى أوروبا

محللة أمريكية: «داعش» حاصر الغرب.. وعملياته ستتزايد فى أوروبا

لم يعد تنظيم «داعش» الإرهابى مجرد تنظيم يقلل من شأنه قادة العالم بين الخطاب والآخر، فهو تنظيم استطاع تنفيذ هجمات دامية فى أعماق أوروبا، حتى وإن كان من خلال الموالين لأفكاره وليس التابعين له مباشرة، وحقيقة أن التنظيم الإرهابى وصل إلى تلك الدرجة من التوحش، دفعت العديد من المحللين والباحثين إلى محاولة تبين كيف وصل الأمر إلى ما هو عليه، وما الذى يمكن أن يشهده العالم خلال المرحلة المقبلة على المدى المتوسط. {left_qoute_1}

محللة شئون مكافحة الإرهاب بمعهد دراسات الحرب الأمريكى هارلين جامبير، رصدت -فى دراسة حديثة لها- تصاعد نفوذ التنظيم الإرهابى وتحوله من اعتماد استراتيجية إقليمية فى الشرق الأوسط من خلال سوريا والعراق فقط، إلى الاعتماد على استراتيجية دولية يتم تنفيذها بشكل متزامن فى عدة دول أوروبية وإقليمية، من خلال شبكة العلاقات القوية التى استطاع التنظيم الإرهابى نسجها فى كافة أنحاء العالم.

«جامبير» تقول، فى دراستها، إن «التنظيم الإرهابى سيتمدد ويتوسع بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة على المدى المتوسط، خصوصاً أن دولاً محدودة هى التى تمتلك القدرة على مواجهة التنظيم فعلياً كونه ظاهرة دولية، ولكن عدم التعاون بين تلك الدول بشكل كافٍ يفرض القيود على جهود مكافحة التنظيم». ولفتت المحللة الأمريكية إلى أن «تأخير التعامل مع التنظيم الإرهابى باعتباره مشكلة إقليمية لا تمس أوروبا، تسبب فى تعطيل استراتيجيات عديدة وسمح للتنظيم الإرهابى بالتوغل فى قلب أوروبا، إضافة إلى أنه جعل الخيارات المتاحة لمواجهة التنظيم محدودة بشكل أو بآخر».

«على الرغم من أن الجهود التى يبذلها التحالف الدولى لمواجهة التنظيم ربما تنجح فى وضع التنظيم فى حالة الدفاع، فإنها فى الواقع لا تزال جهوداً ضعيفة لا يمكنها مواجهة تمدد التنظيم، حيث إن (داعش) يحاول أن يتمدد إلى الدول المجاورة والوصول إلى قلب أوروبا نفسها، سعياً إلى الحفاظ على بقائه فى مواجهة العمليات الدولية ضده، وبشكل عام يسعى التنظيم الإرهابى إلى شن حرب عالمية، من خلال 3 جبهات، الأولى جبهة داخلية تتعلق بسوريا والعراق التى يقع قلب التنظيم الإرهابى فيهما، إضافة إلى بعض الدول المجاورة والأردن ولبنان وإسرائيل وفلسطين».

أما الجبهة الثانية، بحسب «جامبير»، فإنها «الخارج القريب» وهو يتضمن بقية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، فى حين أن الجبهة الثالثة هى «الخارج البعيد»، وهى تتضمن بقية دول العالم وتحديداً أوروبا والولايات المتحدة، إلا أن التنظيم الإرهابى يركز على أوروبا بشكل أكبر نظراً إلى احتوائها على عدد كبير من المسلمين الذين يحمل بعضهم وجهات نظر متطرفة ويمكن استقطابهم لتنفيذ هجمات لصالح التنظيم.

«الهدف الأساسى للتنظيم الإرهابى فى المرحلة الحالية هو أن يتسبب فى المزيد من التطرف لبعض المسلمين الذين يعيشون فى أوروبا، من خلال عزل مؤيديه فى الجبهة الثالثة داخل فكرة أن التنظيم يشن حرباً عالمية مقدسة، وفى حين أن استراتيجية بقاء التنظيم تعتمد أساساً على الجبهة الأولى، فإن الحقيقة هى أن الاستراتيجية الأكبر للتنظيم من حيث الإرهاب والقوة تعتمد أساساً على الجبهة الثالثة». وبحسب «جامبير»، فإن هدف «داعش» الذى يسعى إليه من خلال العمليات التى ينفذها فى الجبهة الثالثة، ما هو إلا تمهيد الأرض للمعركة المقبلة الحقيقية، حيث إن تنظيم «داعش» يسعى إلى الاستحواذ على النفوذ الذى حظى به تنظيم «القاعدة» يوماً ما فى أوروبا والولايات المتحدة، من خلال استراتيجية معقدة تعتمد على استهداف الدول الغربية بهدف عزل المسلمين داخل المجتمعات الأوروبية بشكل يتسبب فى تطرفهم، وأن تشن تلك الدول حملة انتقامية ضد المجتمعات المسلمة، وتكون تلك الحملة الغربية مبرراً ينطلق منه التنظيم لحشد المزيد من الأتباع والموالين.

«جامبير» تؤكد أن «داعش» استطاع حصار الغرب بدلاً من أن يكون الواقع هو العكس، من خلال استراتيجياته المعقدة التى يعتمدها لتعزيز جبهتيه الداخلية والخارجية بشكل متواز، وفى حين يركز التحالف الدولى لمواجهة «داعش» على استهداف التنظيم فى سوريا والعراق فقط، فإن الحقيقة هى أن التنظيم نجح فى اختراق عمق دول أخرى لا تشملها عمليات دول التحالف مثل مصر وليبيا وأفغانستان ودول أخرى، إضافة إلى وصول التنظيم إلى عمق دول أوروبا والولايات المتحدة.

وأضافت: «الولايات المتحدة فى حاجة ماسة إلى تبنى سياق جديد لتلك المعركة، سياق تكون المشكلة الأساسية فيه هى الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الشراكة مع الدول الأخرى بغض النظر عن الخلافات، وفى سبيل تحقيق هذا الأمر، فإنه على الولايات المتحدة أن تدرك أن تصاعد بيئة التهديد وتأخر أو تأجيل التصرف بشكل حاسم مع تلك المسألة، لا يفعل شيئاً سوى أنه يقلل من الخيارات الاستراتيجية الممكنة التى يمكن اتخاذها لمكافحة التنظيم، فى الوقت الذى تتزايد فيه قوة ونفوذ التنظيمات الإرهابية، إضافة إلى أن تراخى التحالف الدولى فى مواجهة التنظيم والتحالف مع أطراف على الأرض فى سوريا والعراق، يدفع تلك الأطراف إلى التحالف مع فصائل أخرى من خصوم الولايات المتحدة وشركائها، بشكل يعقد جهود القضاء على التنظيم، كما أنه يفرض الضغوط على بعض الدول الغربية ويحاصرها، خصوصاً كما هو الحال مع فرنسا فى ظل الاعتداءات الدامية التى نفذها التنظيم الإرهابى فى بدايات العام وقبل أيام».

وبحسب «جامبير»، فإن اعتماد استراتيجية أحادية الفكر تستند إلى مواجهة «داعش» فقط فى سوريا والعراق يسمح بتصاعد نفوذ تنظيمات إرهابية يمكن أن تحل محلها، وهو ما يعنى وجوب اللجوء إلى اعتماد استراتيجية أكثر شمولاً تنقذ العالم مما ينتظره من إرهاب وعنف على مدى سنوات ربما تكون معدودة. وأضافت: «الحملة التى يشنها التنظيم الإرهابى على الغرب ستتزايد فى الفترة المقبلة بكل تأكيد، ولكن الأسوأ أن تلك الحملة تتسبب فى خطأ صناع القرار فى أوروبا، بسبب اللجوء إلى التغاضى عن الهجمات الداخلية فى بلادهم لصالح تعزيز الحملة ضد التنظيم فى سوريا والعراق».

وعن جهود التحالف الدولى، قالت «جامبير» إن الأزمة تكمن فى أن أداء التحالف الدولى غير فعَّال فى مواجهة التنظيم، خصوصاً أن هناك عدة تحالفات لا تعمل بشكل متوافق معاً، وإنما تكون تلك التحالفات ضعيفة نظراً إلى أن إحدى الدول المشاركة فى أى من تلك التحالفات تلجأ إلى الانسحاب كنوع من الاعتراض على أفعال دولة أخرى أو استراتيجية تحالف آخر، على غرار ما حدث من أزمة بين التحالف الروسى - الإيرانى فى سوريا فى مواجهة التحالف الدولى الذى تقوده الولايات المتحدة. وأضافت: «كل تلك الأمور تصب فى مصلحة التنظيم المتطرف الذى يكتسب المزيد من المميزات كلما ضعفت فاعلية الغارات الأمريكية، التى نادراً ما أحرزت تقدماً حقيقياً لصالح القضاء على التنظيم».

وتوقعت المحللة الأمريكية أن تزيد وتيرة عمليات «داعش» فى قلب أوروبا خلال الفترة المقبلة، بشكل يؤدى فى النهاية إلى أزمة أمنية عميقة داخل دول أوروبا، وربما تطال الولايات المتحدة أيضاً، خصوصاً مع الوضع فى الاعتبار قدرة التنظيم على استغلال تطرف المسلمين فى أوروبا دون الحاجة إلى ضرورة تأسيس خلايا كاملة داخل تلك الدول.

وأشارت المحللة الأمريكية إلى أن عدم وجود رؤية واضحة واستراتيجية فاعلة لمواجهة التنظيم الإرهابى وتمدد نفوذه، يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها بشكل مباشر إلى الاعتماد على دول مستقرة أو شبه مستقرة فى المنطقة، بمعنى اللجوء إلى تلك الدول مثل المملكة السعودية ومصر والأردن وتونس والجزائر والمغرب، لوضعها على جبهة الحرب فى مواجهة التنظيم، كما أن تمدد التنظيم يدفع الولايات المتحدة إلى محاولة احتواء الفوضى فى المنطقة من خلال التغاضى عن نقاط الخلاف بينها وبين دول أخرى، مثل محاولة التغاضى عن الخلاف بين مصر والولايات المتحدة حول حقوق الإنسان.

 


مواضيع متعلقة