«الوطن» فى «حلة» الرشايدة.. الحياة تبدأ بالحصول على «تصريح مرور»
«الوطن» فى «حلة» الرشايدة.. الحياة تبدأ بالحصول على «تصريح مرور»
- أراضى الدولة
- ألوان زاهية
- التبادل التجارى
- الثمانى سنوات
- الجنسية المصرية
- الجهات الأمنية
- الدراجة البخارية
- الرقم القومى
- الطوب الحجرى
- المدقات الجبلية
- أراضى الدولة
- ألوان زاهية
- التبادل التجارى
- الثمانى سنوات
- الجنسية المصرية
- الجهات الأمنية
- الدراجة البخارية
- الرقم القومى
- الطوب الحجرى
- المدقات الجبلية
- أراضى الدولة
- ألوان زاهية
- التبادل التجارى
- الثمانى سنوات
- الجنسية المصرية
- الجهات الأمنية
- الدراجة البخارية
- الرقم القومى
- الطوب الحجرى
- المدقات الجبلية
- أراضى الدولة
- ألوان زاهية
- التبادل التجارى
- الثمانى سنوات
- الجنسية المصرية
- الجهات الأمنية
- الدراجة البخارية
- الرقم القومى
- الطوب الحجرى
- المدقات الجبلية
عين واحدة لا تكفى الطفل الصغير «سالم» ذا الثمانى سنوات لكى يبصر العالم من حوله، يتطلع بين حين وآخر، يدقِّق النظر رويداً رويداً، فى مهمة شاقة لكى يهشّ على الغنم التى ترعى أمام كوخه الخشبى، حيث ابيضت عينه اليسرى وهو فى المهد، لم يكُن أكمل شهره الأول فى الحياة، حينما باغت عينيه الرمد، حاول والده «صالح حامد» أن يتجه به نحو أقرب مستشفى لعلاج المرض، فى مدينة أسيوط التى تبعد مسافة تصل إلى 1000 كيلومتر عن مقر إقامته فى مثلث حلايب وشلاتين، ولكنه وصل متأخراً.
{long_qoute_1}
انتظر الرضيع كثيراً حتى إصدار تصريح بالمرور من بوابة الشلاتين، ثلاثة أيام حتى صدر، ومثلها فى الطريق، كانت كافية لكى ينهش الرمد مقلتيه، حيث يحرّم على أبناء قبائل الرشايدة القابعين فى صحراء شلاتين العبور نحو المحافظات للعلاج إلا بتصريح أمنى من إدارة شئون القبائل التابعة لإحدى الجهات الأمنية، حيث لا يمتلك أى منهم أوراقاً ثبوتية أو بطاقات تحمل الجنسية المصرية.
تهبّ بين حين وآخر رياح عاتية، تقتلع الخيام، وتدمِّر بعض الأكواخ الخشبية، ولكن رغم ما تأتى به من خراب كان لهم فأل خير، تنبأ بقدوم المطر، الذى يعمّ مع الخير على البادية، التى أصابها التصحر، ودمرها نقص المياه، خلال سنوات من الجفاف، يقف مسعود داغر، شيخ قبيلة «دى نجم» أحد بطون قبائل الرشايدة، يقول بعصبية مفرطة: «نحن نعيش فى ظلم كبير، ليس لنا أى حقوق كبقية القبائل التى تعيش فى الشلاتين، ومحدش فينا معاه أوراق ثبوتية، ولا أى شىء يثبت وجودنا على قيد الحياة من الأساس».
ولكن تلك الأوراق التى يصفها بأنها «مثل الماء والهواء»، لا تهمه بقدر ما يهمه علاجه ابنته التى أصابتها وعكه صحية وتعيش طريحة الفراش منذ أسبوع فى انتظار ذلك التصريح الذى يصفه بـ«اللعين»، والذى يستغرق استخراجه يومين، وفى بعض الأحيان يصل إلى أسبوع، ويتذكر الرجل الستينى حينما جاءت قبائل الرشايدة إلى الشلاتين: «إحنا لما جينا هنا كانت الشلاتين كلها بيت واحد عبارة عن كشك خشبى»، ويشير «داغر» بسبابته إلى عدد من المنازل الحجرية المتهدمة، ويقول إن عدداً من أبناء قبيلته بناها من الطوب الحجرى ليأووا إليها بعيداً عن الرياح والأمطار، ولكن الحكومة هدمت تلك المنازل لمنع البناء على أراضى الدولة، ولا يقتصر الأمر على ذلك ولكن ليس من حق الرشايدة التقدم للحصول على أى منزل من المنازل التى تبنيها الحكومة ضمن مشروع التوطين لنقل قاطنى الأكواخ إلى مبانٍ آدمية.
{left_qoute_1}
ملامح الرشايدة تختلف عن بقية المنطقة، فيظهرون ببشرة بيضاء اللون، ويرتدون الملابس الحجازية، وتظهر نساؤهم يرتدين عادة البرقع المرصَّع بالصدف، وعادة ما يكون مخملياً وبألوان زاهية، يأوى الرجل إلى إحدى الحصر التى افترشها عدد من الشباب فى وسط «الحلة»، يجلس وسطهم، ويقول بكل قوة: «إحنا وُلدنا على تلك الأرض ونعيش فيها، نحن مصريون ولا نعرف وطناً غير مصر، جئنا من الحجاز منذ زمن بعيد، إلى تلك البقعة من الأرض، وما دامت تلك الأرض مصرية، فنحن بالتبعية مصريون»، يعلو وسط الجلسة صوت سعد حامد سعيد، عشرينى العمر، وهو يقول بملء فمه: «لو يعرفوا لنا بلد غيرها يودونا ليها، أو يسيبونا نخرج ونشوف وطن تانى»، وأكثر ما يؤرقه تلك المحاولات الحثيثة لحفظ طريقة رسم اسمه، ولكن فى كل مرة يفشل، لم يدخل المدرسة ولم يعرف للكتاتيب التى تنتشر فى مدينة الشلاتين طريقاً، لا يحفظ من القرآن إلا الفاتحة وبعض السور القصار لتساعده على الصلوات، ويقول بكل امتعاض إن «جميع قبائل الرشايدة هنا أميون، لا أحد هنا يعرف كيف يكتب حتى اسمه، ولا يجرؤ أحد من أبناء قبائل الرشايدة على التقديم لنجله فى مدرسة الشلاتين، مش معانا بطايق، ومغضوب علينا، ولا نعرف سبب واحد لكل هذا الظلم».
بجلبابه الرمادى الملىء بالشحوم، يمتطى «سالم مسلمى» دراجته البخارية، للتوّ حضر من السوق، يترجل نحو «المجلس»، يقبِّل أحد أصدقائه من أنفه ويقول بأساريره المنفرجة: «مبروك المطر»، فتلك الرياح الترابية التى همَّت فحملت واقتلعت الخيام، كانت حاملة نبأ قدوم المطر الذى ينتظرونه منذ زمن: «التصحر دمر البادية وقضى على الحيوانات»، مشيراً إلى كثير من الإبل التى تحللت أجسادها على مقربة منهم، يشير إلى تلك الدراجة البخارية التى يستخدمها فى التنقل، وسيلته الوحيدة هو وأهل قبيلته، ينطلق بها وسط الصحارى، يخترق بها المدقات الجبلية يومياً ليصل إلى مقر إقامته وسط أهله وعشيرته، ولا يستطيع أن يعبر بها البوابة نحو قريته الأثيرة، حيث لا يمتلك أى أوراق: «هو أنا معايا بطاقة ولا أى حاجة تثبت شخصيتى عشان يبقى معايا رخصة قيادة ولا ورق للموتوسيكل؟».
{long_qoute_2}
فى سوق الجمال يجلس القرفصاء على أريكة خشبية متهالكة، إلى جوار قطيع من الإبل، تتوافد عليه العربات المحملة بالجمال، يوجه رجاله بإنزالها، وضمها لباقى القطعان الواقفة على مقربة ذلك الكوخ الخشبى الذى يستقر به الشيخ «أحمد مسلم مسلمى» شيخ قبيلة «دى سلمى» وشيخ مشايخ قبائل الرشايدة، من مجلسه يتحكم فى سوق الجمال، وحجم كبير من التبادل التجارى بين مصر والسودان، لا تدخل ناقة ولا جمل إلا بإذن منه، وتحت إشرافه، لا يبدأ حديثه إلا بـ«صلى على النبى»، يتحدث بلكنة بدوية وبلغة عربية فصيحة، لا يخلو مجلس الشيخ من أبناء عمومته من قبيلة الرشايدة المنتشرين بالمحافظات، ويشير بسبابته: «هذا من أسوان وهذا من سوهاج، وهذا من إمبابة»، يعملون معه على نقل الجمال من السودان إلى شلاتين، بالأجرة، فالشيخ الذى يمسك بقبضة يده سوق الجمال بين مصر والسودان لا يستطيع أن يبرح مجلسه نحو القاهرة أو نحو السودان، فكل ما يمتلك هو تلك البطاقة التى تسمح له بالوجود بين أهله وعشيرته فى حلة الرشايدة، على بعد سبعة كيلومترات من مجلسه فى سوق الشلاتين.
وكان عام 2008 «سنة شؤم» عليهم، حيث منعت شئون القبائل إصدار تصاريح الخروج للرشايدة للسودان، لمباشرة تجارتهم، ولا أحد يعرف سبباً لذلك، وحين سأل الشيخ مسلم جاء الرد: «ممنوع على الرشايدة».
تأتى إبل الرشايدة من مصر والسودان فى مجموعات كبيرة من السودان تضم ما بين 100 إلى 200 جمل، فى رحلة تستمر لمدة 17 يوماً على الأقل، ويطلق على كل مجموعة منها «الحافلة»، وأكثر ما يوجع الشيخ «مسلم» أنه لا يستطيع هو وعشيرته من تجار الجمال أن يأتوا بأنفسهم بالجمال، ولكن يعتمدون على رعاة بالأجر ليأتوا بها من السودان حتى تسليمها لهم فى السوق.
وإلى جواره يجلس «محمد جمعة» مقطب الجبين، ويقول ممتعضاً: «أنا رشايدى ابن عم الشيخ بس من أسوان»، يغمد يده فى جيب جلبابه الصعيدى، ويخرج بطاقة الرقم القومى ويشهرها، قائلاً «أنا مصرى وابن عمى مصرى وأجدادنا ولدوا هنا وأجداد أجدادنا جاءوا إلى المنطقة منذ الأربعينات، منهم من اتجه للمحافظات فأخذ أولاده الجنسية المصرية بكل سهولة، ومنهم من قرر أن يكمل حياته فى مثلث حلايب فلم يحصل على أى شىء».
«نحن هنا نعيش من سنين، من الأربعينات والخمسينات نعيش على تلك الأرض»، يقول الشيخ «مسلم»، ويخرج من جيبه تلك البطاقة التى تحمل «ش.ٌ ق» والتى تسمح له بالإقامة فقط داخل حلة الرشايدة ،ويشير إلى مدة انتهائها التى تظهر أنها انتهت منذ 15 سنة، ولم تجدد لرشيدى واحد بطاقة «ش. ق» من إدارة شئون القبائل، وفى كل مرة تُقال لهم الكثير من الحجج الواهية التى فرغ صبرهم منها: «انتهت خالص وملف القبيلة موجود عند شئون القبائل ورقمه 287، الطفل اللى بيتولد ما يتعمل له شهادة ميلاد»، تقترب الشمس من المغيب، يهم «مسلم» للرحيل، يمطى دراجته البخارية، ويتوجه نحو مدق ترابى شديد الوعورة، هو الطريق الوحيد للوصول إلى منزله بالحلة على بعد ما يربو على عشرة كيلومترات، يمر فيه على الكثير من الجمال التى ماتت جوعاً جراء الجفاف الذى حل على البادية، بدا الرجل سعيداً بتلك الرياح، واقتراب هطول الأمطار، وحين وصل الشيخ مسلم إلى «الحلة» كان قد حل الظلام الدامس، لا يوجد إلا ضوء خافت من تلك الشعلات النارية والحطب الموقد أمام بعض الأكواخ الخشبية: «طبعاً معندناش كهربا»، يقولها وكأن تلك الحالة عادية، واعتدنا على أن يرى هو وقبيلته تلك الإضاءة المنبعثة من مدينة الشلاتين على مرمى البصر، دون أن يحصل عليها.

- أراضى الدولة
- ألوان زاهية
- التبادل التجارى
- الثمانى سنوات
- الجنسية المصرية
- الجهات الأمنية
- الدراجة البخارية
- الرقم القومى
- الطوب الحجرى
- المدقات الجبلية
- أراضى الدولة
- ألوان زاهية
- التبادل التجارى
- الثمانى سنوات
- الجنسية المصرية
- الجهات الأمنية
- الدراجة البخارية
- الرقم القومى
- الطوب الحجرى
- المدقات الجبلية
- أراضى الدولة
- ألوان زاهية
- التبادل التجارى
- الثمانى سنوات
- الجنسية المصرية
- الجهات الأمنية
- الدراجة البخارية
- الرقم القومى
- الطوب الحجرى
- المدقات الجبلية
- أراضى الدولة
- ألوان زاهية
- التبادل التجارى
- الثمانى سنوات
- الجنسية المصرية
- الجهات الأمنية
- الدراجة البخارية
- الرقم القومى
- الطوب الحجرى
- المدقات الجبلية