ابتسامة رغم الظروف

كتب: ميار خالد

ابتسامة رغم الظروف

ابتسامة رغم الظروف

فى طريق عودتى من الجامعة، كنت أرى امرأة خمسينية خمرية اللون، تغزو وجهها التجاعيد، تجلس فوق أحد مراكب الصيد، وتعلو وجهها ابتسامة تثير الدهشة، ابتسامة صافية جداً، وفى كل مرة كنت أراها كانت تلك الابتسامة لا تتغير لتبث السعادة إلى روحى كلما رأيتها.

ظلت صورة تلك السيدة عالقة فى ذهنى، لم أستطع نسيانها أبداً، كيف لها أن تبتسم فى ظل تلك الظروف والأحوال الجويّة السيئة المحيطة بها، حاولت تكوين أى صورة عن طبيعة حياتها ومن أين لها كل هذه الطاقة الإيجابية، لكن شعرت أن كل أفكارى لا تستطيع تكوين مجرد تخيل بسيط عن تلك السيدة الغامضة.

مرت الأيام وشاء القدر أن أقابلها وجهاً لوجه عندما ذهبت لتقصى أحوال من يقيمون فى مراكب للصيد، حينها صممت أن أقابلها فقط لتخبرنى عن سر ابتسامتها تلك، ظناً منى أن حياتها سعيدة، لكن خاب ظنى عندما علمت أن حياتها تملأها الأحزان، كانت عبارة عن تجسيد لمعنى «الرضا بقضاء الله وقدره».

أخبرتنى أن مركبها يعد عالمها الذى لا تعرف أى مكان غيره حين حصلت عليه لم يكن يتعدى عمرها العشرين بعد، وها هى الآن على مشارف الخمسين من عمرها، وأولادها الخمسة قد وُلدوا فيه، وعليه فقدت أحدهم أيضاًَ، وبالرغم من أن أحوال الجو قد تسوء أحياناً كثيرة فإنهم لا يملكون من المال ما يكفى لشراء ما يمكنه صد رياح الشتاء عنهم، ولا يفكرون فى ترك المركب أبداً. وأشارت إلى البحر ووصفته قائلة «ده عشق ولادى الأول والأخير».

وحتى إن كانت الأوضاع حولهم لا تطمئن ولا يوجد أحد يلتفت لهم ولمطالبهم حيث لا يعتبرهم أشخاصاً من ضمن المجتمع المصرى ويعاملونهم كالحشرات لا يستحقون الحياة.

وفى طريق عودتى تغيرت نظرتى للحياة كلياً، لم أعد تلك الفتاة الطائشة التى يمكن أن تزول ابتسامتها بسبب أشياء تافهة، كعدم تمكنها من الاشتراك فى رحلة مدرسية أو عدم حصولها على هدية فى عيد ميلادها، كلها ظروف ومشاعر لا تقارَن بأى شىء مما تحملته تلك السيدة وما ستواجهه أيضاً فى الحياة، كلمات تلك السيدة ونصيحتها لى بألّا أتخلى عن ابتسامتى وتفاؤلى مهما واجهت فى الحياة وأن أرضى دائما بقضاء الله، لن أنساها أبداً ما حييت.

 


مواضيع متعلقة