«كريم».. 7 صنايع والبخت ضايع

كتب: رنا على

«كريم».. 7 صنايع والبخت ضايع

«كريم».. 7 صنايع والبخت ضايع

بين أقنعة يرتدى منها واحداً، ويحمل بقيتها فى كفيه اللذين تظهر عليهما علامات الكد والفقر والمعاناة، أخفى «كريم» وجهه الحزين بابتسامة «بابا نويل» حاملاً الأمنيات السعيدة للأطفال ممن هم فى مثل عمره أو أصغر، وقبل أن ينصرف مكملاً سيره فى شوارع بولاق الدكرور، يرصد بعينيه المليئة بشقاوة صغار السن حرص الآباء على الرضوخ لرغبات أبنائهم فى الحصول على «لعبة» من ابن الـ15 عاماً الذى لم ينعم عليه بأب يملأ حياته أو يحصل له على الألعاب مثلهم، بدلاً من أن يتركه يبيعها، فكانت النهاية أن يحرم الابن الوحيد من التعليم ومن الأسرة، وفوق ذلك يحمل لقب «راجل البيت» وهو ما زال صغيراً حتى يرحم والدته من «المرمطة» بعد قرار الانفصال عن والده.

{long_qoute_1}

فى أيامه العادية التى لا تتخللها مناسبات كرنفالية، يمتهن «كريم إبراهيم» بائع زينة الكريسماس عدة وظائف مختلفة منذ أن خرج لأول مرة منذ 8 سنوات إلى العمل، وتحمل المسئولية عن والدته التى أصابها المرض بعد طلاقها من أبيه الذى لم يره منذ أعوام طويلة، عندها قرر «كريم» أن يصبح سنداً وعكازاً لوالدته التى لا تفارق شقتهم الإيجار فى شارع 10 ببولاق، بينما يخرج هو كل صباح ليعمل تارة فى ورشة ميكانيكا، وتارة أخرى «صبى» فى مقهى شعبى، ولا مانع أن يعمل أحياناً «فواعلى» صغيراً، فهو كالعصفور يريد أن يستفيد من تجارب الحياة التى حرمته من استكمال دراسته، فيقول والرضا يملأ نبرات صوته: «أنا خرجت أول ما دخلت المدرسة، أمى مكانتش هتقدر على مصاريف الكتب والكشاكيل والدروس بعد ما أبويا سابنا، وقررت أشتغل مع اللى يدفع أجر كويس.. وعمرى ما زعلت طالما أمى هتكون مبسوطة». حبه لأمه، وتقديره للمعاناة التى تكبدتها كى تحافظ على بيتها قبل أن ينهدم بقرار «الطلاق» أملاً فى حماية «كريم» من الدهس فى المنتصف، جعلته يستوعب الدرس ويتحمل الإهانات من أصحاب الورش فى سبيل «شرب الصنعة» التى ستأتى له بـ«يومية محترمة» وفق قوله، تسهم مع مساعدات جيرانه و«وألاد الحلال» كما وصفهم بائع السعادة الصغير، فى سداد إيجار حجرتهم الذى يبلغ 300 جنيه شهرياً وإعالة أمه التى ليس له سواها. لا ينتظر «كريم» حنان الأب الذى لا يعرف معناه، مكتفياً بمجموعة من الأهداف التى ستجعله بعد أن يصير شاباً لا يكرر غلطة أسرته، ويبنى عائلة قوية لا تفرقها الظروف مهما حكمت. آمال وطموحات بائع الأقنعة لا تنحصر فى أن يصير أباً مثالياً فقط، فهناك خانة يعبئ داخلها الأحلام التى لن تتحقق إلا بمعجزة: «نفسى أبقى ضابط، أقبض على تجار المخدرات، أو أطارد المجرمين، وأحبسهم لأنهم سبب حاجات كتير مش كويسة فى البلد، وبتعرض عيال كتير للخطف وممكن الموت»، لا تخلو أمنية «كريم» من شرط وحيد حتى يصبح ضابطاً فيقول «مش عاوز أبقى بتاع مرور عشان ما افتريش على حد، ولا حد يدعى عليا، زى ما بشوف واحد بيسحب رخصة سواق غلبان ولا قوة بتيجى مع البلدية تاخد حاجتنا وتدوخنا السبع دوخات». بائع الأقنعة، يتخذ تلك المهنة كل عام فى موسم «الكريسماس» ليحسن دخله، ليتحول «كريم» فى سن صغيرة إلى صورة طبق الأصل من المثل الشعبى «7 صنايع والبخت ضايع»، فاختار أقنعة «بابا نويل» لتكون «سبوبة»، وعندما تنفد الكمية من «كريم» وتؤلمه قدماه من السير لساعات ذهاباً وإياباً فى الشوارع، يقرر الاستراحة قليلاً وهو يبتسم رغم آلامه.

 

 


مواضيع متعلقة