«الوطن» فى قلب حرب الشوارع فى «الميرغنى» و«الخليفة المأمون»

«الوطن» فى قلب حرب الشوارع فى «الميرغنى» و«الخليفة المأمون»

«الوطن» فى قلب حرب الشوارع فى «الميرغنى» و«الخليفة المأمون»

محطة سراى القبة تكتظ بالمواطنين، الجميع يسلك مساراً واحداً، ناحية قصر الاتحادية، الساعة الخامسة عصر الأربعاء، والأنباء تواترت عن تحطيم الإخوان المسلمين لخيم المعتصمين أمام القصر الرئاسى، عشرات يمضون على أقدامهم، حتى يصلوا إلى ميدان روكسى، تبدأ المحلات فى غلق أبوابها، لا فرق بين مطعم ومحل ملابس، الكل بباب مغلق، تصل إلى ميدان روكسى، مسيرة مكونة من عشرات، يهتفون «هى لله، هى لله»، يصفقون، يدقون الأرض بأرجلهم، ينضمون إلى الرفاق عند القصر، ينظر إليهم رجل أشيب الشعر، يعلو صوته مخاطباً إياهم بالوقوف، سائلا إياهم عن الله الذى يطلبون رضاءه ويسفكون من أجله الدماء «إزاى تقول لله وتقتل أخوك.. اللهم أنزل علينا سخطك». على سور قصر الاتحادية، جمل تنال من مرسى، وتطالب بسقوط المرشد، وعلى حائط متسع، تظهر صورة واضحة، لشاب ذى شعر هائش وابتسامة كبيرة، وفم يبدو كأنه ينطق من الحجر، مكتوب أسفل الصورة: جيكا، لحظات وتغيب الكتابة، وتمحى الصورة، حيث تمشى مجموعات بصناديق من الطلاء لطمس الجدران.[Quote_1] مجموعات تقدر بالعشرات من المعارضين يتحلقون ناحية روكسى، يهتفون ضد المرشد والإخوان وقرارات مرسى، تقابلهم هتافات من المؤيدين للرئيس، يؤذن لصلاة المغرب، يفترش البعض الأرض ليصلى، ويسمع العشرات أن ثمة معركة تلوح فى الأفق من ناحية شارع الميرغنى المؤدى لقصر الاتحادية من الناحية الأخرى المقابلة لروكسى، فيذهب هؤلاء إلى شارع الميرغنى، هدوء حذر، لم يستمر لثوان، لتبدأ معركة من حرب الشوارع، فى تمام السادسة، حيث الكر والفر لا يتوقف حتى الفجر، حجارة تلقى من هنا، ويرد عليها بمثلها من هناك. يتجمع معارضو مرسى، ينظمون أنفسهم جماعات، يقدرون بالمئات، يحمسون أنفسهم بالكلمات، ليواجهوا مؤيدى الرئيس، أصحاب الحظوة فى العدد والعدة، تبدأ عمليات تكسير الأسفلت والرصيف، من أجل استخراج قطع الطوب، التى يمكن أن تلقى، مجموعة أخرى تبدأ فى إحضار زجاجات مياه غازية فارغة، يصنعون منها زجاجات مولوتوف، يحضر البعض ممن ينتمون إلى «جروبات» الألتراس الأهلاوى والزملكاوى بشكل فردى، يقبضون بأياديهم على الألعاب النارية، تبدأ الجماعات فى التحرك، كتفا فى كتف، وقدما تهرول بجانب قدم، حناجرهم لا تخرج إلا بصوت واحد يهدرون به سوياً: جيكا.. جيكا، كأنه التميمة التى تعين اليد التى ترمى حجراً، والأخرى التى تسقط مولوتوفاً فى المعسكر الآخر، والثالثة التى تمسك درعاً حديدية واقية تحمى به وجوه المحيطين، الحالة تشبه المد والجزر، يفيض المؤيدون، ثم تنحسر عنهم أسلحتهم، فيعودون أدراجهم، بعد أن يهجم عليهم المعارضون، ليطرح أرضاً مصابون بقطع من الحجارة أغلظ، و«فرد» سلاح أو خرطوش يحصد أوجه وأجساد المعارضين، وتصنع حفراً من البلى فيهم، الضغط يزداد من المعارضين، يتقهقر المعارضون إلى شارع الخليفة المأمون، لا تفلح كلمات الترغيب بالثبات، ولا يجدى التذكير بأيام محمد محمود ومجلس الوزراء أمام العدد الكبير لمؤيدى مرسى، يصرخ أحدهم «هما الإخوان طالما حلوين كدا فى حرب الشوارع، كانوا فين أيام محمد محمود؟». يزداد تقهقر المعارضين، لكنهم يحمسون بعضهم البعض، يقولون إن دماء سقطت، ولن يضيعوها هباءً، يقول أحدهم إن الثوار كتب عليهم أن يتخلصوا من الطاغية والعسكرى والإخوانى، يقف ثلاثة، يصنعون تصرفاً «ألتراسياً» يسمى بـ«التورتة» حيث وقفوا فى الصفوف الأولى لا يعبأون بحجارة تقذف عليهم، أو خراطيش تطولهم، أمسكوا بعصى صغيرة، تنطلق منها ألعاب نارية، تصنع فى الجو إضاءة وصفيرا عاليا، مولوتوف يلقى من أحدهم، فتندلع النيران فى شجرة، أو تنشب فى سيارة وواجهة بيت، وحرب الشوارع مستمرة لا تقف ثانية واحدة، لا تفلح أى محاولة للتهدئة بين الطرفين، تمسك سيدات فى الجانب المعارض بأوعية تمتلئ بالحجارة، تعطيها للضاربين حين تنفد حجارتهم، تظهر «الموتوسيكلات» مرة أخرى فى ساحة المعركة، حيث تحمل المصابين المضرجين فى دمائهم، وتنقلهم إلى المستشفى الميدانى، أو إلى أقرب مستشفى، لاسيما أن سيارات الإسعاف ظلت غائبة عن الجانب المعارض حتى العاشرة مساءً. محلات شارع الخليفة المأمون مغلقة تماماً، البنزينة التى فى أول الشارع أغلقها العمال ورحلوا، بدأ الشباب المعارض بعد حالة من التقدم، وسيطرتهم على الشارع فى حوالى الثانية عشرة مساءً، الذهاب إلى مسدسات البنزين، لصنع قنابل مولوتوف، لكن رجلاً يرتدى جاكيت جلديا، ذا رأس أصلع يهرول ناحيتهم، يمنعهم، يسألونه عما إن كان يعمل بالبنزينة، فيرد عليهم بالإيجاب، ويطلب منهم ألا يفعلوا ذلك «البنزينة لو ولعت المنطقة كلها حتولع»، يرضخ المواطن المعارض لكلام الرجل، وأثناء ركضه لحمل طوبة بدلاً من المولوتوف، يتبين أن الرجل لم يكن سوى خالد على المرشح السابق لرئاسة الجمهورية. هتافات المؤيدين تدوى فى المكان «بنحبك يامرسى»، «يالا يا مرسى اضرب تانى لسه الزند ولسه تهانى»، «صوّتى يا تهانى إعلان دستورى تانى»، «يالا يا مرسى وراك ملايين طهر مصر من الفاسدين»، «دب برجلك طلع نار الرئيس أخد القرار»، «قوة عزيمة إيمان المرسى بيضرب فى المليان»، ورفعوا لافتات «الشعب يؤيد قرار الرئيس»، «كلنا معاك ياريس أهالى العاشر من رمضان»، «البرادعى وراه حمدين واحنا بنطلب شرع ودين». يبدأ الجانب المؤيد لمرسى، فى بناء حواجز من الصاج فى الساعة الواحدة والنصف صباحاً، فى بداية شارع الميرغنى، يحدون به من تقدم المؤيدين الذين بدأوا فى اختراق الصفوف، يعد المعارضون مجموعة من الألعاب النارية، والمولوتوف، يهجمون بها على السور، محطمينه، هاتفين هتافهم الذى لا ينقطع «جيكا.. جيكا»، يزيد ضغطهم على المؤيدين، الأعداد تبدأ فى الازدياد، تظهر مصفحات الأمن المركزى بجانب مؤيدى مرسى، تطلق قنابل مسيلة للدموع، تقلب كر المعارضين فراً، الغاز هذه المرة لا يطلق دخاناً كثيفاً كالمعتاد، بل دخانا يبدو كأنه غير مرئى يدفع استنشاقه إلى حرقة فى العين، وسعال دائم، ورغبة فى التقيؤ. وألقى الطرفان القبض على عدد من أنصار كل منهما، حيث قام أعضاء الإخوان المسلمين بتسليم متظاهرين معارضين لقوات الأمن، فيما اعتدى المعارضون على من ألقوا القبض عليهم من المؤيدين، وقام المتظاهرون باصطحاب أحد أعضاء الإخوان مصاباً إلى سيارة الإسعاف، وعلقوا «طالما مصرى لازم نسعفه». وأحاط الإخوان طاقم التليفزيون الكندى واشترطوا إظهار صور الرئيس وتأييد مرسى أمام الكاميرا ليمكنوا المذيعة من إلقاء التقرير وهو ما رفضته وانسحبت من الميدان، كما اعتدى شباب الإخوان على طاقم قناة «سى بى سى» بالسب والضرب بالأيدى.