«الموت والورد» على باب «ستنا نفيسة»

كتب: رحاب لؤى

«الموت والورد» على باب «ستنا نفيسة»

«الموت والورد» على باب «ستنا نفيسة»

مشهد عامر بالورود والروائح العطرة لمقام السيدة نفيسة، يحملها إليه الزوار من مصدر واحد فقط، هو ذلك الطبق البلاستيكى الذى يحمل عشرات الورود المخصصة لـ«نفيسة العلوم»، تبيعه «فاطمة» منذ قرابة 80 عاماً، بصحبة شقيقتها «الجارية»، التى لا تطيل المكوث على الأرض، وبينما تواصل «فاطمة» بيع الورد للزوار تقضى شقيقتها الوقت فى كنس الأرض والدعاء للوافدين.

{long_qoute_1}

«فاطمة على اسم بنت الرسول وقاعدة جنب أمى نفيسة».. بفخر شديد تخبر الزوار باسمها، ولا تخجل من مهنتها: «وارثاها عن أمى وستى، واشتغلت فيها بعد ما مات راجلى»، السيدة التى عاشت تحت كنف اثنين من الصعايدة أولهما والدها، وثانيهما زوجها، لم تحظَ بالتعليم: «أبويا صعيدى مكانش يحب يعلم البنات، كانت أختى تقول له ودينا يقول لها لأ».

20 عاماً مضت على وفاة زوجها، الرجل الصعيدى، الذى لم يدعها تعمل: «كان تاجر مواشى ومستّتنى، بس لما مات رجعت أشتغل تانى عشان أربى ولادى، واحد فتحت له ورشة سمكرة، وواحد شغال شيف قد الدنيا، وأنا قاعدة القعدة دى، خليتهم فلة، وجوزت خمس بنات، وباربّى دلوقتى 3 أحفاد يتامى، وكله من خير الست».

{long_qoute_2}

تؤمن «فاطمة» بإمكانات استثنائية لزيارة السيدة: «الناس كلها بتيجى معبية، اللى بيزور ربنا بيفك اللى فيه، عشان الست الكريمة اللى جوا، دخلها مكسحين مشيوا، وعُمْى فتحوا، كل اللى بتربى اليتامى وتقعد جنبها تاكل وتشرب، هى وولادها، دى كمان بتجيلنا فى المنام تبوسنا وتحضنا، كذا مرة تيجى لى وتقول لى الله يقويكم على اللى انتو فيه اوعوا تتغيروا، أقول لها انتى مين؟ تقول لى أنا أمك نفيسة».

«هاتى ورد».. تقولها إحدى الزائرات طالبة منها الدعاء: «ادعى لى ربنا يرد لى بنتى» بدموع محبوسة، فتجيبها «فاطمة»: «يا رب، اوعى تعيّطى أحسن أنا مستوية»..

وفيات متتالية لأشقائها، آخرهم لم تكتمل أربعينيته بعد، لكن هذا ليس أصعب شىء لها أو لشقيقتها «الجارية» التى تحمل الكثير من «الحزن والدموع»، تدعو للداخلين فتجيبهم «أم هبة» الجالسة إلى جوارها بباب الست: «دى دعوتها مستجابة. أصل قلبها مقهور».

«الجارية» التى تكبر فاطمة بـ13 شهراً فقط، يعتقد الكثيرون أنها توأمها، تقطنان معاً فى «القرافة»، قليل من التركيز وكثير من الهموم تحملها «الجارية» التى لا تلبث تحكى: «ميت منى 8 جدعان وسايبين لى عيالهم»، لا يصدقها البعض، لكن الحكايات تدحض التكذيب: «ابنى الكبير حسين مات من 15 سنة، كان هيتجوز بعد تلات أيام، خبطته عربية نقل مات، التانى حسن راح فرح منعرفش شرب إيه، رجع نام مقامش، التالت محروس جاله فشل فى الكبد، كان عمره 25 سنة مات من العيا، والكبير رجب جاله جلطة فى دماغه مات، وساب وراه أربع عيال كان عمره 35، ومنى ماتت وهى بتولد هى كمان معاها أربع عيال، تالت عيّلة عندى كانت عروسة بقالها 7 شهور قالت يا دماغى وديتها قصر العينى لعبوا فى دماغها فماتت».

لم تنحصر نكباتها فى أبنائها، بل امتدت إلى أحفادها وزوجات أبنائها، تكمل مأساتها: «ابن ابنى كان عريس برضو، كاتب كتابه وهيخش، قال يا بطنى، ودّيناه مستشفى خاصة بالفلوس، عملوا له عملية فى بطنه مات، بعده على طول راحت مرات ابنى، كانت قاعدة زى الفل مسافة ما قالت آه يا بطنى، ودّيناها الفرنساوى عملوا لها غسيل كلية، ماتت بعد 3 أيام». لا تبكى السيدة العجوز شيئاً قدر بكائها أبناءها: «كانو بيأكلونى بمعلقة دهب»، تقولها وقد وقفت حافية القدمين أمام باب الضريح، ممسكة بالمكنسة الخشبية داعية الله أن يخفف كربها.

 


مواضيع متعلقة