«المنوفية».. الانتهاكات تبدأ من مصرف «سبل» والنتيجة «مافيش سمك فى النيل»

كتب: عبدالفتاح فرج

«المنوفية».. الانتهاكات تبدأ من مصرف «سبل» والنتيجة «مافيش سمك فى النيل»

«المنوفية».. الانتهاكات تبدأ من مصرف «سبل» والنتيجة «مافيش سمك فى النيل»

على بعد حوالى 60 كيلومتراً من قرية منية العروس، بمركز أشمون، توجد قرية «جزى» التابعة لمركز منوف بالمنوفية، المُطلة على فرع رشيد، من الوهلة الأولى تبدو المياه غير نظيفة وداكنة، فى زاوية متسعة من الشاطئ الشرقى للنيل يتوقف عدد من الأشخاص أمام قاربى صيد صغيرين يتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم، يرتدون ملابس بسيطة تعكس شكل الحياة المنخرطين فيها.

{long_qoute_1}

محمد أنور شتات، شاب ثلاثينى، يعمل فى مهنة الصيد مثل أبيه، لكنه الآن دون عمل، يقول: «البلد دى كان فيها أكتر من 100 صياد برخصة، لكنهم الآن لا يعملون، لأنه لا توجد أسماك فى النيل، زى ما انت شايف القوارب ثابتة فى أماكنها ما بتتحركش، والميه عكرة ومش نضيفة لحد مركز كفر الزيات، وسبب التلوث ده مشروع الرهاوى، عشان كده أنا لما شفت التقارير التليفزيونية التى تحدثت عن التلوث فى النيل زعلت قوى لأنهم قالوا إن سبب تلوث نهر النيل هو الأقفاص السمكية، وهذه ليست حقيقة، فالأقفاص موجودة داخل مياه ملوثة ومليئة بالأسماك وبالتالى ستنفق لأن العناصر الثقيلة بالمياه كثيرة فضلاً عن عدم وجود أوكسجين كاف بالمياه».

«شتات» يوضح دليلاً آخر على تسبب التلوث فى نفوق الأسماك بفرع رشيد: السمك مات وهو كبير ووزنه كيلو، مش ذريعة، ولو كانت المياه ملوثة وقتها كان مات وهو ذريعة، زى ما حصل عندنا من فترة لما جت الثروة السمكية ورمت هنا الذريعة، السمك مات بسبب التلوث، والمياه النهارده اتحسنت شوية بعد ما فتحوا القناطر عشان نفوق الأسماك فى كفر الشيخ، الأول كان لونها أبيض وفيها رغاوى من الصرف الصحى، المجارى ذابت فى المياه ولم تترسب للأسفل، بالعكس الصرف الصحى هو اللى بيحرك الميه لما بيقفلوا القناطر، تخيل انت فيه ميه راكدة وفجأة فتحت عليها ميه ملوثة أكيد هتاخد الميه الراكدة وتتحرك لقدام وتلوث المجرى المائى كله».

يلتقط «أنور» والد «محمد» أطراف الحديث: «معظم الصيادين اللى فى القرية تخّلوا عن المهنة وعملوا فى مهن أخرى لتوفير لقمة العيش لأبنائهم، بعد تردى أوضاع النيل وزيادة حجم التلوث به، الأول كان فيه سمك وكان الرزق كويس، دلوقتى مفيش سمك خالص خصوصاً فى فصل الشتاء، ونوع السمك الوحيد الموجود فى فرع رشيد الآن هو (القرموط) لأنه الوحيد القادر على تحمل التلوث، لأن نفسه طويل، فى السنوات الماضية كان يعيش فى مياه النيل العديد من الأنواع الأخرى مثل (البلطى والزقزاق والبياضى) لكن للأسف كل هذه الأنواع انقرضت».

يضيف «أنور»: «أرسلنا العديد من الرسائل إلى المسئولين والرئيس عبدالفتاح السيسى لشرح الموقف وتوضيح السبب الحقيقى لتلوث النيل، إلا أنه لم يستجب أحد لنا، رحت مجلس الشورى فى عهد الإخوان محدش سمعنى، وأيام مبارك جربنا هنا وهناك بمساعدة أعضاء مجلس الشعب للحصول على تعويضات من الحكومة بسبب نفوق الأسماك وانهيار الثروة السمكية به، فصرفوا 75 ألف جنيه لكل صيادى الجيزة والمنوفية، فأخذ كل واحد منا 62 جنيهاً فقط كتعويض عن الضرر الذى أصاب لقمة عيشه».

«فرع رشيد بقى عامل زى المصرف بالظبط، مياهه ليست عميقة، أقصى عمق هنا فى وسط النهر حوالى 4 أمتار، وفى السدة الشتوية يعبره الصيادون على أرجلهم، لا يوجد تطهير حقيقى له»، كذلك يوضح الأب الصياد أن «عمليات التطهير تقتصر على رفع العفش وإزالة ورد النيل، وقمنا أيضاً بعمل تحاليل للأسماك وأثبتت النتائج عدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمى».

يتنهد «أنور» ويأخذ نفساً عميقاً قبل أن يبوح قائلاً: «كل الصيادين اللى هنا مصابين بفيروس سى، واللى بيعدى الأربعين ما بيشتغلش، لو عنده عيلين بيطلعوا يشتغلوا ويصرفوا على البيت، الصياد دلوقتى بقى أغلب من الغُلب، زمان كان فيه قيادات ومسئولين بييجوا هنا ويصطادوا بالسنّارة، دلوقتى مفيش حد بييجى لأن السمك مات، والعيال زى ما انت شايف بتاخد المراكب تلعب بيها ومفيش حد بيصطاد».

بعد قرية «جزى» التابعة لمركز منوف، بحوالى 5 كيلومترات يوجد مصرف صرف صحى وزراعى يسمى «سبل»، يصرف مياهه الملوثة فى نهر النيل بالقرب من الكوبرى العلوى بقرية «طملاى»، ويصل إلى النيل عبر قرى كثيرة، وتوجد بوابة حديدية كبيرة فى القرية تتحكم فى المياه المصروفة على النيل، حيث توجد لوحة رخامية أعلى أحد الكبارى توضح حجم المياه التى يتم صرفها عند وصول النيل إلى مستوى معين مكتوب عليها «قنطرة مصرف سبل على النيل».

مياه المصرف سوداء اللون وبها الكثير من القاذورات، وبجوار المصرف يشتكى سكان العزب التى تقع بجواره بالقرب من المصب، من الروائح الكريهة المنبعثة منه والحيوانات النافقة الملقاة فى مياهه، بجانب انتشار البوص والأعشاب التى تسد مجراه وتتسبب فى ركود المياه.

محمد عامر، مهندس بقطاع حماية النيل بمركز منوف، يقول إن «قطاع عملنا يبدأ من القناطر الخيرية وحتى مركز الشهداء، ونحرر الكثير من المحاضر ضد المخالفين الذين يبنون بشكل مخالف على النيل وضد الذين يردمون جوانبه بالإضافة إلى الصيادين الذين يقيمون أقفاصاً سمكية داخل المياه ويلقون دواجن نافقة بها لتعيش عليها وتجذب باقى الأسماك الأخرى، نحرر شهرياً ما يزيد على 300 محضر فى دائرة مركز منوف فقط، لكن للأسف المحاضر كثيرة وإزالة المخالفات أقل، فرع رشيد مُنتهك ويعانى من تلوث شديد، ونحن فى إدارة حماية النيل نفعل ما بوسعنا للحفاظ عليه من خلال تحرير المحاضر وتحريك دعاوى للرقابة الجنائية، إضافة إلى إرسال نسخ من هذه المحاضر إلى وزارة الرى».

 


مواضيع متعلقة