الأغنية الشعبية: تراث مشوه.. ومستقبل عشوائى

كتب: الوطن

الأغنية الشعبية: تراث مشوه.. ومستقبل عشوائى

الأغنية الشعبية: تراث مشوه.. ومستقبل عشوائى

من «حرّج عليّا بابا مروحش السيما».. و«الحلوة دى قامت تعجن فى الفجرية» و«ارخى الستارة اللى فى ريحنا.. لحسن جيرانا تجرّحنا» إلى «هاتى بوسة يا بت».. و«الشعب يريد 5 جنيه رصيد» و«.. الشبشب ضاع» قرن من الزمان تغير فيه وجه مصر من ملكية واحتلال، إلى جمهورية وتجريف للموروث ساهم فى تغيير الشخصية المصرية، كما أسهم فى تغيير الأغنية الشعبية التى تعرضت لعوامل تعرية جعلتها أكثر اختلافاً مع تعاقب أجيال من مطربيها، لتخلع أردية الحياء وتتخلى عن جدية الماضى وتستبدل بها هستيريا المهرجانات. ولا شك أن هناك حالة من «الشيزوفرينيا» -أو الفصام المجتمعى- فى التعامل مع الأغنية الشعبية المعاصرة، خاصة أن الجميع يهاجمها وينتقد الشريحة التى تنحاز إليها، فى الوقت نفسه يهرول هؤلاء وراء مطربيها، ويدفعون لهم آلاف الجنيهات لإحياء حفلات الزفاف وأعياد الميلاد أو «السبوع» أو حتى «الطهور»، ويتراقص من كان يهاجم الأغنية الشعبية على موسيقاها الصاخبة وفى اليوم التالى يعود لحالة الفصام، وهذا قدر الأغنية الشعبية التى يتعامل معها الجميع بتعالٍ، رغم أن كثيراً من أباطرة الطرب المصرى قدموا الشكل الشعبى، من سيد درويش وأغانى أم كلثوم القصيرة، إلى استفزاز محمد رشدى لعبدالحليم حافظ ومحاولته محاكاة اللون الذى يقدمه، وتجربة محمد قنديل الذى أعطى للأغنية الشعبية مسحة رومانسية، أو كما فى سعى ملحن بموهبة بليغ حمدى لتقديم ألحان لأحمد عدوية وتعاون الأخير مع كمال الطويل وسيد مكاوى، حتى فى تجارب المعاصرين غنى محمد منير من التراث الشعبى سواء دينى كما فى «مدد» أو من التراث الجنوبى جعفرى ونوبى «نعناع الجنينة» و«سيه سيه» ومؤخراً استعار أغنيته «رمان» من أغانى الفلاحين. وفى هذا الملف نلقى الضوء على الأغنية الشعبية بكل ألوانها بحياد لا تكسره حتى الآراء المنحازة أو تلك المناهضة لها، لأن الأغنية الشعبية ليست مجرد أغانى المهرجانات ولكنها تراث الجنوب والبدو والسواحلية والفلاحين والرعاة، وكما كانت ستبقى على علاتها دفتر أحوال الوطن، لأنها لم تنجرف بعيداً عن أصولها التى ترصد الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بل وميول الشخصية المصرية العاطفية فى كل حقبة زمنية، ورصد هذه التغيرات تأريخ للوعى الجمعى المصرى، ففى مطلع القرن العشرين كانت البدينات رمزاً للجمال كما فى قول بيرم التونسى «عايزها لحم فصوص.. مش عود قصب ممصوص ما ادفعش فيها ريال» لتتغير مقاييس الجمال فى الألفية الجديدة فيغنى محمود الليثى للعود المشدود فى «زلزال» وتتخلى الأغنية الشعبية عن دورها فى استنهاض الوطن كما فى «قوم يا مصرى» ليغدو الاستنهاض هنا للنائمين من أصدقاء المقهى كما فى «اصحى وصحى النايمين كل الرجالة جاهزين».

 


مواضيع متعلقة