عمر خيرت: الأوبرا «دولتى».. وأعيش بدعوات جمهورى

كتب: محمد عبدالجليل

عمر خيرت: الأوبرا «دولتى».. وأعيش بدعوات جمهورى

عمر خيرت: الأوبرا «دولتى».. وأعيش بدعوات جمهورى

اعتبر الموسيقار الكبير عمر خيرت أن الأعوام الأخيرة التى أعقبت ثورة 25 يناير قد شهدت نشاطاً فنياً كبيراً بالنسبة له، سواء من حيث الأعمال التى شارك بها فى الدراما والتليفزيون أو حتى الحفلات، التى أكد حرصه على إقامة أكبر عدد ممكن منها وبالتحديد خلال فترة حكم الإخوان، مؤمناً بدور الموسيقى فى تهذيب النفس وإصلاح ما أفسدته السياسة.

{long_qoute_1}

عمر خيرت «الموسيقار» الذى ربما لم يحظَ أحد مثله فى تاريخ الفن المصرى بنفس حالة الاهتمام والجماهيرية والانتشار، يرى أن الفن هو العامل المشترك فى أى معركة للتنوير والإصلاح، ويؤمن بأن مصر تحتاج من أبنائها، وبالتحديد الشباب منهم، العمل بجدية وصبر خلال الفترة المقبلة، لكى يتحقق للبلاد ما تسعى إليه من نهضة. {left_qoute_1}

فى حواره لـ«الوطن»، يتحدث عمر خيرت فى الموسيقى والسياسة والدراما التليفزيونية والسينما، وعن علاقته بالأوبرا، وعن برامج اكتشاف المواهب، وسوق الكاسيت، وكذلك فكرة تأليف أوبرا مصرية خالصة.. فإلى الحوار..

■ فى الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير.. كيف تقيم الفترة الماضية؟

- الثورة أحدثت تغييرات جذرية فى الحياة المصرية فى فترة قصيرة على كل الجوانب والمجالات، منها ما هو إيجابى ومنها ما هو سلبى، وأعقب هذا التغيير محاولة اختطاف «الجماعة» لهذه الثورة التى بدأت بريئة ونقية، محاولين تنفيذ مخطط خارجى وتحقيق مصالح شخصية وإنهاء دولة مصر، وهذا ما شعرنا به خلال عام حكم «الإخوان» الذى أعتبره «عاماً مظلماً»، إلى أن جاءت ثورة 30 يونيو لتصحح المسار وتكون بمثابة بداية أمل لنهضة مصر من جديد.

■ وكيف رأيت حال الفن فى تلك الفترة على المستوى الشخصى والعام؟

- بالنسبة لى كانت السنوات الخمس الأخيرة من أكثر السنوات نشاطاً، وحققت فيها نجاحات كبيرة، خاصة فى فترة حكم الإخوان، حيث تعمدت إقامة أكبر عدد ممكن من الحفلات فى جميع أنحاء الجمهورية، رغبةً منى فى بث الأمل فى قلوب الناس، ولإيمانى بأن الموسيقى هى القادرة على صنع تلك الحالة من الأمل، ولها تأثير كبير على الإنسان وتهذيب وجدانه وشخصيته، وأكبر دليل على نجاح هذه النظرية أن الجمهور كان يتهافت على حضور الحفلات حتى فى ظل وجود مظاهرات فى الميادين وفى ظل اشتعال الشارع السياسى ضد الإخوان، وهذا يعكس أهمية الموسيقى فى رأيى، أما التأثير السلبى الحالى على بقية الفنون مثل السينما والمسرح فقد كان يرجع للظروف الاقتصادية، وهذا أمر طبيعى فى تقديرى فى ظل حالة الارتباك التى تشهدها الدولة فى مثل هذه الفترات الدقيقة من عمر الوطن.

■ كيف رأيت دعوات التظاهر التى ترددت قبل الاحتفال بذكرى الثورة؟

- كنت أتوقع أنها لن تسفر عن شىء، ففى النهاية الناس تدرك جيداً من يقف خلف تلك الدعاوى، داخل مصر وخارجها، والأمر بات مكشوفاً للجميع أن الإخوان ضد أن تقف مصر على قدميها من جديد وأن تعود كما كانت من قبل، وأن تظل دولة قوية، وهذا أمر طبيعى متوقع منهم، خاصة بعد أن فشلت الأجندة الخاصة بتقسيم المنطقة على أيديهم.

■ وماذا عن بعض القوى الأخرى التى ترفض بعض الممارسات الجارية؟

- أرى أن هؤلاء لا يحبون مصر، وهم فى الحقيقة قلة، ويعتمدون على منطق «خالف تُعرَف»، وهذا فى رأيى مصيره إلى زوال، فالناس بات لديها الوعى الكافى لفرز أى كلام يقال، وباتت لديهم تجربة عريضة ممتدة عبر 5 سنوات أسهمت فى جعلهم يرفضون من يتحدث بهذه الطريقة، نحن فى دولة راسخة قوية، لها رئيس يتحلى بالإيمان والوطنية والإخلاص والإرادة القوية فى صنع غد أفضل لبلاده، وعلى الجميع أن يفرقوا بين الحرية والديمقراطية؛ فالحرية قد تأتى فى يوم وليلة، ولكن الديمقراطية لا بد أن تأخذ وقتها كاملاً حتى تتحقق، ولا بد أن تسبقها الوطنية أولاً.

■ فى تقديرك، كم تحتاج مصر من الوقت لكى يتحقق لها نهضة حقيقية وملموسة؟

- أنا لست خبيراً سياسياً لكى أجزم بشكل قاطع، ولكن أتصور أن النهضة الحقيقية لن تتحقق قبل 10 سنوات، يظهر فيها أجيال جديدة على قدر عالٍ من الوعى والتعلم، ويعمل فيها أبناء هذا الوطن بجد وكفاح ويتحلون بالصبر، خاصة الشباب لأنهم أصحاب المستقبل، وينبغى أن يكونوا على قدر المسئولية، ويتخلوا عن منطق الشكوى ويتفرغوا للعمل فقط، وأثق أن هذا سيحدث مع مرور الوقت طالما هناك ضمير يقظ سنصل للطريق الذى نسعى له.

■ فى تقديرك ما أهم الأزمات التى تواجه الشعب المصرى؟

- الجهل والفقر؛ فهما يشبهان السرطان، وانعكس ذلك على أزمة الأخلاقيات فى تقديرى، والتى ترجع إلى تراكم سنين طويلة منذ عام 1952، فالمواطن المصرى بطبعه إنسان عظيم وطيب وله ثوابت وأخلاقيات مشهود لها، ولكن ما حدث فى السنوات الماضية من تراجع ناتج عن عدة عوامل أغلبها يتعلق بالجانب الاقتصادى، وبجانبه يأتى غياب التعليم الحقيقى وانتشار الجهل، وبالتالى ترسخت سلبيات كثيرة فى مكونات الشخصية المصرية لتصير بالشكل الذى هى عليه الآن، وأعتبر ذلك أهم حجر عثرة فى طريق تحقيق مصر لنهضتها، وبالتالى لا بد من وضع استراتيجية للأجيال الجديدة تسهم فى تخلصها من تلك السلبيات لتمتلك الوعى الكافى.

■ وما دور الفن فى رأيك فى إصلاح هذه المنظومة؟

- لا غنى عن الفن فى أى معركة للتنوير أو الإصلاح، فهو فى البداية والنهاية انعكاس لحضارة الشعوب ورقيها، وأداة للتنوير ولتهذيب الوجدان الإنسانى، خاصة الموسيقى فى تقديرى.

■ ولكن دعنا نعترف أن الموسيقى ليست ضمن أولويات الشعب المصرى فى غالبية الوقت؟

- الأمر صحيح إلى حد ما ولكن فى الفترة الأخيرة حدثت حالة من الإقبال على الموسيقى، وأفخر بكونى أسهمت فى إلقاء حجر فى المياه الراكدة، فصارت هناك نسبة من الاهتمام، فى تقديرى هى أفضل بكثير من عدم وجود اهتمام على الإطلاق، وصار الاهتمام ينبع من طبقات بعيدة عن صفوة المجتمع، وقد لمست ذلك فى كل الأماكن التى أقمت فيها حفلات بدءاً من الأوبرا ومروراً بساقية الصاوى وأوبرا 6 أكتوبر، والتجمع الخامس ومكتبة الإسكندرية والجامعات. {left_qoute_2}

■ فى تقديرك كيف تمكنت موسيقاك من الوصول لأكبر عدد من الجمهور بهذا النجاح؟

- منذ أن قررت الالتحاق بمعهد الكونسرفتوار ودراسة الموسيقى ثم احترافها، لم أكن أتصور أو أخطط أن تحقق موسيقاى كل هذا النجاح والإقبال من الجمهور، ولكنه فى البداية والنهاية توفيق من الله، بجانب عدة عوامل منها المناخ الذى نشأت وتربيت فيه، وأسهم فى تكوين شكل للموسيقى بداخلى بداية من أغانى عبدالوهاب وأم كلثوم والسنباطى والموجى، وبالتالى صار لدىّ تركيبة موسيقية خاصة بى، دعمتها دراستى الأكاديمية فى الكونسرفتوار، بجانب عزفى للموسيقى الغربية فى الحفلات التى شاركت بها فى فترة السبعينات، كل هذا تجمع فى جملة موسيقية خاصة بى وجدت صداها لدى الجمهور بتوفيق من الله.

{long_qoute_2}

■ ما أكثر تعليق على موسيقاك لا تنساه حتى الآن؟

- كان تعليقاً من الموسيقار الكبير الراحل محمد عبدالوهاب، عقب سماعه موسيقى مسلسل «ضمير أبلة حكمت» حيث اتصل بى مهنئاً وقال لى بالحرف «ربنا يخليك لمصر»، وهذا أثلج صدرى بشكل لا مثيل له، إلى جانب هذا تصلنى تعليقات من الجمهور العادى مليئة بالدعاء والثناء الذى أخجل من تكراره، وإن كنت أدرك تماماً أننى أعيش بفضل دعائهم لى بالعمر والصحة، فحب الناس أكبر جائزة منحها الله لى.

■ فيما يتعلق بالموسيقى الخاصة بالأعمال الدرامية.. هل السينما أقرب لك أم التليفزيون؟

- السينما هى الأقرب لى، لعدة أسباب، أهمها أنها لا يتعرض فيها العمل الفنى للبتر والاقتطاع الذى يحدث فى الدراما التليفزيونية بشكل يهين الفنان وينتقص من عمله الموسيقى، فالتتر تتم إذاعته فى اليوم الأول فقط، وبعد هذا يتم حذفه، هذا إلى جانب «جزارين» الإعلانات الذين يقطعون الحلقات بشكل غير أخلاقى من أى منطقة دون مراعاة جهد الفنان الذى وضع تلك الموسيقى، هذا إلى جانب أننى أبذل فى 30 حلقة جهداً يوازى 16 فيلماً، ولا يتحقق لى العائد المادى المناسب لهذا الجهد، ولكنى فى حالة قبولى العمل فى الدراما من جديد سيكون لى شروط تتعلق بتلك السلبيات التى أعانى منها.

■ من يلفت نظرك من مؤلفى الموسيقى الجدد؟

- تامر كروان، وهشام نزيه، وياسر عبدالرحمن ويحيى الموجى، أراهم مميزين للغاية، وفى تقديرى يرجع ذلك إلى دراستهم الأكاديمية، وتطويعها فى خدمة موهبتهم.

■ طوال الوقت يتهمك البعض بالانحياز للموسيقى على حساب التلحين.. فما السبب؟

- انحيازى راجع إلى أننا ليس لدينا موسيقى بقدر ما نملك أغنيات وملحنين، فالتأليف الموسيقى أصعب من التلحين، فالمؤلف الموسيقى يملك أن يقوم بالتلحين ولكن الملحن قد لا يتمكن من التأليف الموسيقى لأن هذا يتطلب دراسة ومهارات معينة خاصة بالتوزيعات الموسيقية والأوركسترا، ولكنى لست ضد الغناء فأنا أعتبر الصوت البشرى أهم آلة موسيقية، ولكنى أنحاز للتأليف لأننا لا نملك موسيقى كافية، وأرغب فى تكملة هذا المشوار.

■ مَن أكثر مطرب وجدت فى خامة صوته ما يرضيك كموسيقى؟

- على الحجار وآمال ماهر وأنغام ومدحت صالح ومحمد منير.. وغيرهم..

■ هل هناك إمكانية لتعاونك مع مطربين من الأصوات الجديدة على الساحة؟

- اهتماماتهم الموسيقية تختلف عن اهتماماتى، وليس هناك تقارب فنى بيننا، ولا أعتقد أننى أستطيع أن أفيدهم فى اللون الغنائى الذى يقدمونه.

■ ماذا تمثل دار الأوبرا المصرية بالنسبة لك؟

- الأوبرا بالنسبة لى هى مصر، أتعامل معها باعتبارها مرادفاً للدولة المصرية، وأحرص على استمرار التعاون بيننا بكل وسعى، على الرغم من أنها أقل عائد مادى أحصل عليه، ولكنى لا أهتم بهذا أمام كونى أتعامل مع مؤسسة الدولة، والتى تمثل واجهة لمصر، لذا أضع أولوية دائمة لحفلاتى بها.

■ ما سبب ابتعادك عن طرح أعمالك الموسيقية فى ألبومات منذ فترة؟

- أعترف بأننى مقل فى هذا فى الفترة الأخيرة، على الرغم من امتلاكى العديد من المقطوعات الموسيقية التى لم تُذَع حتى الآن، وأحرص فى حفلاتى على عزف مقطوعة فى كل مرة بجانب الأعمال الشهيرة التى يطلبها الجمهور، ولكنى لم أطرحها حتى الآن كتسجيلات، والغياب يرجع إلى التعثر الحادث فى سوق الكاسيت واعتبار المنتجين أن إصدار الألبومات صار «بزنس» خاسراً نتيجة القرصنة والتقليد، ولكنى بصدد إصدار أعمال جديدة فى الفترة المقبلة، بجانب حرصى على الوجود من خلال الإنترنت وتطبيقات المحمول التى باتت منتشرة بشكل كبير.

■ كيف ترى برامج اكتشاف المواهب؟

- أعجبنى جداً برنامج The Voice Kids بسبب اهتمامه بالمواهب الصغيرة من بداية ظهورها، وأتصور أنه سيفرز مواهب لافتة يتم رعايتها منذ الصغر. {left_qoute_3}

■ لكن البعض يتهم تلك البرامج بأنها تستغل المواهب دون أن ترعاها بعد انتهاء البرنامج؟

- لا أعتقد أن الأمر يتم بهذه الطريقة، فالموهبة التى تظهر فى تلك البرامج تستفيد من الظهور، وإذا كانت تستحق الاهتمام ستجد الكثيرين الذين يبحثون عنها بعد انتهاء البرنامج، طالما تستحق.

{long_qoute_3}

■ هل عرض عليك برنامج اكتشاف مواهب للموسيقى؟

- لا أجيد التعامل مع تلك الأمور فى الحقيقة، وأعترف أننى لا أجيد سوى التأليف الموسيقى وإقامة الحفلات، ولا أملك ملكات الكلام والحديث أو التحكيم التى يجيدها غيرى، لذا لا أتصور إمكانية تعاونى مع أى من تلك البرامج.

■ ألا يتملكك القلق على الفن المصرى ومحاولات تجريف الهوية الموسيقية؟

- على الإطلاق.. فطالما هناك معهد للكونسرفتوار والموسيقى العربية فى مصر فالموسيقى ستظل فى أمان، لأنهما يفرزان سنوياً عدداً لا بأس به من الموسيقيين ودارسى الفن الموسيقى، وعلى سبيل المثال أوركسترا القاهرة السيمفونى الذى يعزف بصحبتى فى الأوبرا كان فى وقت من الأوقات كل أعضائه من الأجانب، الآن صار أغلبه من المصريين، وهذا مؤشر جيد فى تصورى.

 

 

عمر خيرت أثناء حواره لـ«الوطن»


مواضيع متعلقة