الخريطة الحشرية «سر حربى»: الشعب خائف باستمرار.. والحكومة تتعامل معها «على استحياء»

كتب: رحاب لؤى

الخريطة الحشرية «سر حربى»: الشعب خائف باستمرار.. والحكومة تتعامل معها «على استحياء»

الخريطة الحشرية «سر حربى»: الشعب خائف باستمرار.. والحكومة تتعامل معها «على استحياء»

«يَع» تعبير يرتبط عادة بكلمة «حشرة»، ذلك الكائن الذى يرمز فى أغلب الثقافات إلى «عدم النظافة» و«المرض»، عادة ما يبدأ الحديث عن أنواعه بالتزامن مع «مصيبة» ما سببتها الحشرات، من «الملاريا» إلى «زيكا» يبقى الاشمئزاز قائماً، وكذلك الحقيقة المفزعة بالنسبة لكثيرين، فأكثر من 90% من مختلف أشكال الحياة على الأرض تشكلها «الحشرات»، تم وصف مليون نوع منها، بينما يُقدّر عدد الفصائل غير المصنفة بقرابة 30 مليونًا.

لا يغرى عالم الحشرات الكثيرين باستكشافه، لكن الأحاديث الرسمية العديدة حول الفيروسات والأمراض المنقولة عبر الحشرات دفعت الكثيرين إلى الضغط على أنفسهم من أجل الوصول إلى معلومة تطمئنهم، خاصة عقب ظهور مصطلح «الخريطة الحشرية» فى حديث مسئولى وزارة الصحة المصرية، بالتزامن مع الحديث عن فيروس «زيكا»، الأمر الذى بدا وعداً.

{long_qoute_1}

حول موقع الخريطة ومحتواها، تساءل الكثيرون، محاولات عديدة أسفرت عن العثور عن لا شىء، فالخريطة المذكورة ليس لها أثر سوى فى التصريحات الرسمية فقط، خاصة تلك التى جاءت على لسان الدكتور عمرو قنديل، وكيل وزارة الصحة للطب الوقائى، الذى أكد فى أكثر مناسبة وجود «الخريطة» واطلاع مسئولى الوزارة عليها باستمرار وتحديثها «الخريطة الحشرية المقصود بها قيامنا بعمل تقصى حشرى عبر جمع عينات من مواطن الأمراض لفحصها وتحديد الأصناف الموجودة فى مصر، من كل نواقل الأمراض، والهدف أن نعرف مواطن وأنواع نواقل الأمراض، فمثلاً نعرف نوعها فى محافظة القاهرة، ومدى اختلاف منطقة كعابدين عن أخرى كشبرا أو غيرها وهكذا الحال فى كل المحافظات».

رغم الأهمية البادية للأمر، فإن الخريطة المذكورة لم تظهر بأى شكل عبر الموقع الرسمى لوزارة الصحة أو وزارة الزراعة، اللهم إلا بعض الحديث عبر موقع «كنانة أون لاين» الإلكترونى التابع لوزارة الاتصالات، فى صورة مقال حول طرق مكافحة آفات الموالح، واقع إلكترونى فقير ومرير بالمقارنة مع الواقع العالمى لدول العالم، فيما يتعلق بالخرائط الحشرية بأنواعها.

مع ذلك دافع الدكتور عمر قنديل عن الأمر قائلاً: «أيوه فيه خريطة، صحيح موجودة عندنا لكن مش بننشرها على الإنترنت، المواطن هيستفيد إيه لما يشوفها؟ هيعرف منها أنواع البعوض مثلاً، وهيتعرف على اسم البعوضة لما يشوفها؟» وكيل وزارة الصحة للطب الوقائى أكد أن أهمية الخريطة لا تخص أحداً بخلاف «المتخصصين» قائلاً: «الناس يهمها تعرف إن مصر بتعمل تصنيف حشرى وإن وزارة الصحة عارفة الأماكن وبتكافح ناقلات المرض لو موجودة» رأى لم يبد متوافقاً مع المسئولين فى دول أخرى ممن تفانوا فى توضيح وضع الحشرات وأهميتها على اختلاف الجهة.

الموقع الرسمى لـ«خدمة الغابة» بالولايات المتحدة يعرض لزواره خريطة بعنوان «الخريطة الوطنية للحشرات والأمراض الخطرة» ليس هذا فحسب، فللحشرات نصيب كبير، لا يتعلق الأمر بأماكن وجودها فقط، وإنما بتطور سلوكها أيضاً، فعبر موقع «سوير» الأمريكى، تظهر خريطة شاملة توضح سلوك الحشرات فى جميع الأنحاء، ويبدو أن الأمر مغرياً للكثيرين فمن جانبها، أعلنت هونج كونج قيامها بوضع خريطة عالمية تظهر توزيع مستعمرات النمل فى أنحاء العالم.

الأمر بدا دقيقاً حتى إنه تم وضع خريطة بتوزيع أنواع وأعداد القراض والبراغيث الخاصة بالكلاب فى أنحاء الولايات المتحدة، خريطة لحشرات الكلاب لم تكن الأولى ولا الأخيرة المثيرة للاستغراب، فثمة خريطة أخرى يقدمها موقع «سيكس فوودز» أو «الأطعمة الستة»، توضح واقع «صناعة الحشرات» فى الولايات المتحدة، حيث توضح الخريطة تنامى صناعة الحشرات بصورة كبيرة، خاصة مع ظهور 16 شركة فى أنحاء الولايات المتحدة تعمل فى مجال تقديم الأطعمة المصنوعة من الحشرات، بل وتوفير الحشرات اللازمة للأمر كخدمة تطوعية للمبتدئين فى المجال الذى يتخذ من تقرير الأمم المتحدة حول اعتبار الحشرات هى الحل الأمثل والمستدام للأمن الغذائى فى العالم أساساً له.

«ليس لدينا خريطة حشرية حقيقية، وما تعلنه وزارة الصحة مجرد حصر لديها ليس إلا» يتحدث الدكتور خليل المالكى، أستاذ المبيدات بمركز البحوث الزراعية، ورئيس لجنة مبيدات الآفات الأسبق بوزارة الزراعة، مؤكداً أن الخريطة التى تتحدث عنها وزارة الصحة باستمرار متعلقة بالناموس والذباب على اعتبار أنها نواقل أمراض، حاسماً الأمر «مفيش حاجة اسمها خريطة حشرات عندهم، همّا مش متخصصين فى أبحاث الحشرات أصلاً».

واقع مرير يتحدث عنه «المالكى» مؤكداً حالة من الفوضى التى تحكم واقع التعامل مع الحشرات فى مصر، والربط المستمر بين «الحشرة» وضرورة «قتلها» قائلاً: «ثمة إبادة جائرة للحشرات، تحت رعاية وزارة الصحة التى تقوم بترخيص مبيدات زراعية، تستخدمها فى المقابل شركات مكافحة الحشرات داخل البيوت تحت دعوى التطهير، مع ضمان لسنة أو ثلاث سنوات ضد الصراصير وغيرها من حشرات المنزل، وتحت شعار مرخص من وزارة الصحة، أما الصحة فترخص مبيداً زراعياً للاستخدام فى المزارع لا البيوت، وأما الشركات المذكورة فقد استفحلت تحت دعوى أنها مرخصة، مع إضافة مواد تنزع رائحة المبيد، يواصلون رش المنازل فى وجود أطفال وكبار، ومن هنا تبدأ الكوارث».

حشرات طبية، وأخرى زراعية وثالثة اقتصادية، هكذا يتفرق دم «الحشرات» بين الجهات الرسمية فى مصر، فتلك المسئولة عن نشر أمراض بعينها للبشر والحيوانات ينتقل تخصصها إلى وزارة الصحة، أما ما يصيب الزرع منها فينتقل تخصصه إلى وزارة الزراعة، بينما تبقى تلك المسماة بـ«الاقتصادية» داخل نطاق المعامل قيد البحث والعمل والإنتاج «بالطلب».

يفسر «المالكى» الأمر بقوله «الباعوض والذباب وغيرها من ناقلات الأمراض تابعة لوزارة الصحة، هى المسئولة الوحيدة عنها، كذلك الأمر مع اليرقات والحشرات التى تصيب المواشى، كالقراض والبراغيث وغيرها، هناك نوع من الحشرات التى تسبب خسائر على أرض الواقع نسميه حشرات اقتصادية، وأخرى لا تسبب أثراً ملموساً، لدينا معهد كامل يعمل عليها هو معهد بحوث ووقاية النباتات بأقسامه الـ21 التى يتخصص كل منها فى مجموعة حشرات، بما فيها النمل الأبيض والنحل، يضع المعهد بروتوكولات التعامل معها».

واقع ينقصه الكثير، يعلله «المالكى» بقلة التمويل «ميزانية مركز البحوث الزراعية 24 مليون جنيه سنوياً، بينما ميزانية المجلس القومى للمرأة 80 مليون جنيه» ويضيف ساخراً: «الحقيقة مش عارفين نودى الفلوس فين، ولا نعمل أبحاث إيه ولا إيه؟!».

 


مواضيع متعلقة