«الدريسة».. حياة على «سكة القطر»

كتب: نظيمة البحراوى

«الدريسة».. حياة على «سكة القطر»

«الدريسة».. حياة على «سكة القطر»

فى الطريق الضيق الواقع بين شريطى السكة الحديد، تتراص عشش صغيرة مبنية بشكل عشوائى، جدرانها من الطوب اللبن، وأسقفها من الصفيح والخشب المتهالك، مساحة الواحدة منها لا تتعدى غرفتين صغيرتين بينهما طرقة، سكانها من عمال هيئة السكة الحديد الذين يحيط بهم الفقر، والمرض، والتهديد بالطرد، وخطر الموت تحت عجلات القطار، أو لدغ الثعابين والحشرات السامة، طيلة الوقت، هذه هى قصة «عشش الدريسة» فى مدينة الزقازيق بالشرقية.

على حصيرة قديمة، يجلس صالح أحمد عبدالرحمن، 60 عاماً، أحد سكان العشش، وأمامه وجبة من الخبز والمخلل، يقول: «بدأت حياتى عاملاً فى هندسة السكة الحديد حتى خرجت للتقاعد فى شهر أكتوبر الماضى بعد قضاء 30 عاماً، ومنذ ذلك الوقت أقيم هنا أنا وزوجتى ونجلى المعاق والأطفال الثلاثة داخل حجرتين وطرقة لا تتعدى المترين، بعد أن ترك أبنائى الآخرون العشة وتأجيرهم شققاً فى مناطق آدمية إلى حد ما، من أجل الزواج».

أضاف: «سكنت هنا أنا وأسرتى منذ أن بدأت عملى فى هيئة السكة الحديد قبل 30 عاماً، وحاولت الانتقال إلى أى مكان آخر يكون أفضل، ولكن ضيق ذات اليد منعنى من ذلك، ومع ذلك تسعى الهيئة لطردى من المكان بعد إحالتى على المعاش». وتدخلت زوجته، فتحية طه عبدالمجيد، 54 عاماً، لتقول: «الهيئة تهددنا بالطرد، برغم الأحوال السيئة التى نحن فيها، فأنا مريضة بالكبد، وأحتاج دماً وبلازمة فى كل جلسة للعلاج فى مستشفى الأحرار»، مضيفة: «لو مشونا من هنا هنروح فين، وهروح مستشفى إزاى؟!».

حنان صبرى، 27 عاماً، أنجبت 3 أبناء فترة سكنها فى المنزل، أكبرهم فى الصف الثالث الابتدائى، تقول: «تزوجت منذ 9 سنوات، والبيت كان عبارة عن عشة فراخ، وقلت لوالدة زوجى، نريد تحسين وضع المنزل، فقطعنا من قوت يومنا لشراء طوب، وقمنا ببناء غرفتين بمساعدة أحد الجيران، الذى رفض تقاضى أى أجر، وفوجئنا بعد ذلك بأن الهيئة تريد إخراجنا». وأضافت: «لو كنا نقدر نسكن فى مكان تانى كنا خرجنا من نفسنا على الأقل كنا هنترحم من الخوف والقلق اللى عايشين فيه»، مشيرة إلى أنها طوال تلك السنوات التسع شاهدت بعينيها 5 حوادث لمواطنين زهقت أرواحهم تحت عجلات القطار أثناء عبورهم شريط السكة الحديد.

سهير عبدالرزاق، 65 عاماً، مريضة بالسكر، وتعرضت لحادث ركبت على أثره مسامير وشرائح فى ركبتها، تجلس على أريكة فى مدخل العشة المليئة بالتشققات والشروخ، ملتفة فى بطانية تقيها برودة الجو، ومن حولها أحفادها الـ9 تقول: «أسكن هنا من 35 سنة، وزوجى كان يعمل فى السكة الحديد، وانجبنا ابنتين و3 أولاد يقيم اثنان منهم وأبناؤهم الـ9 معى، إضافة لزوجتيهما بعد أن ضاق بهما الحال»، مضيفة: «عايشين 14 فرداً فى حجرتين، فى وقت أحتاج فيه شهرياً بـ150 جنيهاً للعلاج، وفى أوقات كتيرة مش بلاقيهم».

يلاحق الموت تحت عجلات القطار القاطنين فى المنطقة، وحرم الأطفال من اللعب: «إحنا ساكنين وسط حشرات وتعابين، وأصوات القطار»، حسب «محمد»، 13 عاماً، يضيف: «أنا وأصدقائى الكبار من أبناء الجيران لما بنلعب بنترقب حولنا صوت القطار، خوفاً من القدوم المفاجئ، والموت تحت عجلاته». ودفع غلاء الإيجارات السكنية والمعيشة بعض الأهالى للسكن فى هذه العشش، «عايش هنا من 8 سنين، كنت مستأجر شقة بـ350 جنيه، وبسبب كثرة المصاريف من أكل وشرب وعلاج ومدارس اضطريت أعيش هنا»، يقول أحمد على فتحى، عامل بالسكة الحديد، مشيراً إلى أن لديه 3 أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 3 إلى 10 سنوات. وأضاف: «المكان غير آدمى، فلا صرف صحى، ولا نظافة، والحشائش التى تنمو فيها الحشرات والثعابين توجد فى كل مكان».

وهو ما يضطر الأهالى إلى مواجهة ذلك بطرق بدائية «إحنا بنحط شيح على الأبواب والشبابيك، ولو هاجمنا ثعبان بنصوت لحد الرجالة يموتوه». حسب أم محمد، التى قالت إن «الأمهات بيقفلوا على عيالهم عشان يحموهم من القطارات والثعابين والحشرات الضارة، على الرغم من أن الثعابين بتدخل من الفتحات فى الحوائط أو السقف».


مواضيع متعلقة