الكويت أرض الثقافة العربية

كتب: الوطن

الكويت أرض الثقافة العربية

الكويت أرض الثقافة العربية

كانت الكويت منذ بدايتها نسيجاً اجتماعياً، تجمّع أناسه فى هذه البقعة من الأرض، بحثاً عن السلام والأمان، والكويت دولة حديثة نشأت قبل ثلاثة قرون تقريباً فى مطلع القرن السابع عشر الميلادى وعُرفت كإمارة مستقلة تُدير أمورها الاجتماعية والتجارية والتعليمية والقضائية. وتشير بعض المراجع إلى أنها عُرفت ككيان اجتماعى مستقل فى سنة 1613، وكانت هذه الإمارة قد تكونت من جموع قبليةٍ أكثرها من قبائل تقطن شمال ووسط الجزيرة العربية، خاصة من نجد، وجماعات وافدةٍ من العراق وإيران، وكونت مجتمعاً متضامناً، عمل فى مختلف المهن من رعى الأغنام إلى الزراعة البسيطة الموسمية، وأعمال البحر التجارية وصيد الأسماك والبحث عن اللؤلؤ، وكانت هذه التجارة رائجة فى سواحل الخليج العربى.

وقد اختلف المؤرخون فى تحديد تاريخ نشأة الكويت، وهناك من يُرجع التاريخ إلى سنة 1756، والحقيقة أن هذا التاريخ ما هو إلاّ تاريخ نشأة الحكم وبداية اختيار الشعب الكويتى حاكماً له، وذلك بعد اكتمال البنية التحتية للإمارة، ولو عدنا إلى ذلك التاريخ فإننا لا نجد فى المنطقة نظاماً يربط بين الشعب والحكومة، أما الكويت فكانت بنسيجها الاجتماعى الذى جاء من البلاد المجاورة بحثاً عن السلام والأمن مختلفة عن هذه المعطيات، وتآلف هذا الشعب، ورفض التعصب والتشدد فى العقائد الدينية، وتجنب العصبية القبلية التى مزقت شعوباً أخرى، ونلاحظ ذلك من خلو معظم أسماء الأسر من ألقاب قبائلهم وعشائرهم، وكأنهم يريدون خلق حياة هادئةٍ يسودها الأمن والسلام.

وهكذا تكّون الشعب الكويتى وعندما اكتمل نسيجه الاجتماعى قام باختيار حاكمه، صباح الأول، بمبايعة جماعية. ولم تكن توليته إطلاقاً ليده فى شئون الحكم بل كرمزٍ للبلاد يلتف حوله أصحاب الرأى، من علماء الدين وكبار التجار، وكانت الإرادة الشعبية أن تُدار الإمارةُ بنظام الشورى النابع من تعاليم الدين الإسلامى.. وسارت الأمور بهذه الرغبة بأن يستشير الحاكم وجهاء الإمارة ولا ينفرد بحكمه، على أن يتكفل الشعب بتوفير أُمور معيشته هو وأسرته، وبقى هذا النهج وفق عُرفٍ غير مكتوب استمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع بداية النصف الثانى للقرن العشرين أخذت تجارة اللؤلؤ تبور إثر انتشار زراعة اللؤلؤ فى اليابان، ثم ظهرت نتائج التنقيب عن النفط فصدّرت الكويت نفطها، وحل هذا المورد القومى مكان أعمال البحر، فهجر الناس البحر وأهواله للعمل داخل البلاد فى شركات النفط وأجهزة الحكومة وفى إداراتها المختلفة.

الحاكم والشعب

إن ظاهرة اختيار الشعب لحاكمه فى منتصف القرن الثامن عشر الميلادى، وسَيْر نظام الحكم بالعدل والشورى، لفتت نظر كثيرٍ من المؤرخين، خاصة عند كُتّاب الغرب، كالألمانى «كارل رتر»، صاحب كتاب «علم الأرض»، ففى دراسته لأرض الجزيرة والكويت سنة 1818 أطلق على إمارة الكويت اسم «جمهورية» عندما علم أن الحاكم منتخب من الشعب، وأطلق اسم (الجمهورية) أيضاً الإنجليزى «ألكسندر جونتسون» فى سنة 1847 فى مؤلفه «أطلس العالم».

وفى عهد أمير الكويت الراحل الشيخ أحمد الجابر (1921) طالب الشعب أن يُشارك فى أمور الدولة، وطالب بإنشاء مجلس للشورى وذلك لإصلاح ما يمكن إصلاحه والتطلع إلى مستقبل أفضل للبلاد.

وهكذا تكوّن مجلس الشورى الأول، وبعد انقضائه حل محله المجلس التشريعى الأول فى سنة 1938. ثم المجلس التشريعى الثانى فى مارس من عام 1939، ومن كل ذلك نشأ عند الشعب الكويتى رصيد ديمقراطى استمر إلى أن تولى الشيخ عبدالله السالم الحكم، والذى كان من الرموز المطالبة بالحكم الديمقراطى منذ المجلس التشريعى الأول فى 1938.

أنهى الشيخ عبدالله السالم معاهدة الحماية الإنجليزية، وأعلن فى التاسع عشر من يونيو 1961 استقلال الدولة، وسعى إلى تأسيس مجلس الأمة وصدور الدستور الكويتى سنة 1962. هذه المظاهر الديمقراطية مهدت لتُربةٍ وأرضيةٍ آمنة، جعلت النّتاج الأدبى والثقافى فى مأمن من التدخل الرسمى، وأَمِنَ العاملون على استثمار التنمية الفكرية والثقافية على مسيرة أعمالهم، لذا تُعتبر الكويت سبّاقة فى التنمية الثقافية والتعليمية.

{long_qoute_2}

استثمار فى الإنسان

يجمع المؤرخون على أن خير ما استثمرت الكويت فيه خلال نصف قرن مضى كان التنمية الثقافية، ولم تنازعها فى ذلك الدوافع السياسية ولم تحجبها الشواغل الاجتماعية والرسمية، فبقيت الدوريات الثقافية منذ نشأتها بلا عائق رسمى، وفى منتصف الأربعينات من القرن الماضى انطلقت من مصر، موطن العلم والثقافة، مجلة «البعثة» الكويتية على يد مجموعة من المثقفين الكويتيين يتقدمهم الأديب عبدالعزيز حسين لتكون خير سفير للكويت، فصارت مرجعاً من المراجع الأدبية والثقافية شارك فيه أدباءُ ومفكرو مصر، بأقلامهم النيّرة، وكانت تستقطب الكتّاب من الطلبة والأساتذة الكويتيين فى مصر وداخل الوطن، واستمرت هذه المجلة إلى مطلع الخمسينات، وتزامن توقفها مع توقف مجلة «الرسالة» للأديب الكبير أحمد حسن الزيات، وقبلها بعقود زمنية أصدر المؤرخ والأديب عبدالعزيز الرشيد مجلته المعروفة باسم (مجلة الكويت)، وذلك فى سنة 1928 لتكون أول المراجع الأدبية داخل البلاد، ومجلة «كاظمة» فى سنة 1948 للأستاذين أحمد السقاف وعبدالله الصانع. وجاءت حِقْبة الخمسينات لتشهد صدور جريدة «الفجر» لتكون صوت نادى الخريجين، ثم صدرت جريدة «الشعب» كجريدة سياسية اجتماعية ثقافية.. وظهرت فى تلك الفترة أيضاً مجلات «الرائد»، صوت جمعية المعلمين، و«الإرشاد»، صوت جمعية الإرشاد، و«الإيمان»، صوت النادى الثقافى القومى.

رسالة العربى

وفى 1958 صدرت مجلة «العربى» عن دائرة المطبوعات والنشر الحكومية التى كان يرأسها آنذاك الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير الكويت الحالى، واستقدم لرئاسة تحريرها العلامة المصرى الدكتور أحمد زكى، وعندما التقى مع المغفور له الشيخ عبدالله السالم، حاكم الكويت، قال له الأمير: «نريدها رسالة لكل عربى ولا تتخذ طابعاً محلياً، وعليكم أن تبعدوا عن الزوابع السياسية وتسعوا إلى السلام»، واحتفلت الكويت فى عام (2015) بمرور 57 سنة على إصدارها، وهكذا سلكت «العربى» الطريق كأحسن سفير للكويت وتجنبت رياح السياسة، وسعت نحو إيصال رسالة المعرفة والفكر والأدب لكل عربى، ولا تزال هكذا حتى يومنا هذا.

وسارت على هذا النهج كذلك سلسلة عالم الفكر، وسلسلة عالم المعرفة، والثقافة العالمية، والمسرح العالمى التى تصدر كلها عن المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الذى تأسس عام 1973، وأصبح الجهة الأساسية فى تنمية الثقافة فى الكويت كثوابت لبُنية ثقافية سعت إلى إنماء الثقافة فى الكويت، وأنجز المجلس الوطنى نشر ما تبقى من العمل التراثى الكبير «تاج العروس» الذى عملت وزارة الإعلام على نشره منذ منتصف الستينات بجهود عربية مشتركة ليصل إلى عشرات المجلدات.

{long_qoute_1}

وعلاوة على ذلك هناك العديد من المواسم الثقافية التى تقام فى الكويت فى كل عام، على رأسها مهرجان الكويت الثقافى البارز «مهرجان القرين»، ومعرض الكتاب السنوى الذى انطلق فى العام 1973.

تعدد مصادر الإبداع

بالإضافة إلى دور وزارة الإعلام والهيئات التابعة لها فإن لجامعة الكويت إصدارات دورية وبحوثاً ودراسات منذ تأسيسها فى سنة 1966 من أبرزها موسوعة العلوم السياسية، كما تصدر فى الكويت الآن نحو 20 صحيفة يومية وأسبوعية، علاوة على عشرات الدوريات الأسبوعية والشهرية ونصف الشهرية. وتشارك رابطة الأدباء فى النشاطات الثقافية وتصدر مجلة «البيان»، وهى ثقافية أدبية منذ سنة 1966، ولها إصدارات تخصصية فى الأدب، وأصدرت منها حتى الآن عشرات الكتب. وهناك مؤسستان ثقافيتان أهليتان تهتمان بالأدب والشعر العربى؛ الأولى مؤسسة «البابطين للإبداع الشعرى»، التى أنجزت عملها الكبير «معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين» فى عدة أجزاء من الحجم الكبير، وأخيراً «معجم البابطين للشعراء العرب فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر»، ولهذه المؤسسة إصدارات لأعلام الأدب والشعر العربى، وتعقد مهرجانات عربية ودولية وتنقل أنشطتها إلى عواصم العالم العربى، وتهتم بنشر الإبداعات الشعرية فى العالم العربى، وكذلك بالشعر العربى فى بلاد غير عربية، وتُعنى بالشعر والشعراء، وهى جائزة سنوية قيمتها المادية (100.000) مائة ألف دولار. وتتكفل المؤسسة بتعليم 1500 طالب من الجمهوريات الإسلامية الآسيوية التى استقلت عن الاتحاد السوفيتى.

جهود ثقافية

ومن الأعمال الكبيرة التى شهدتها دولة الكويت افتتاح مكتبة البابطين للشعر العربى، وهى المكتبة الوحيدة من نوعها فى العالم العربى، وتم افتتاحها فى عام 2006 وتولى أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد، رعاية احتفاليتها الكبرى، وتشعبت بفضل الله أعمال المؤسسة حتى شملت مركزاً للترجمة إلى العربية وبالعكس، وأقامت هذه المؤسسة دورات تعليمية لعلم العروض فى الشعر فى جامعة الكويت وكلياتها وفى البلاد العربية الشقيقة، كما أقامت ندوات أدبية منها ندوة عن الشاعرين الكبيرين أحمد شوقى ولامارتين فى باريس. وفى طهران كان الملتقى الكبير عن سعد الشيرازى وأشعاره فى العربية والفارسية وذلك عام 2000 تلتها عدة ندوات فى العواصم العربية، ومنذ سنوات قليلة أنجزت المؤسسة عملاً كبيراً أثناء عقدها دورة معجم «البابطين لشعراء العربية فى القرنين التاسع عشر والعشرين»، حيث عقدت هذه الدورة فى الكويت تحت رعاية أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، وشهدت مدينة مراكش المغربية انعقاد الدورة الرابعة عشرة تحت شعار دورة أبى تمام، وشهدت الدورة الاحتفال بذكرى مرور ربع قرن على إنشائها، وتسعى هذه المؤسسة إلى تقريب المسافة بين الحضارات بالتبادل الثقافى ونشر المعرفة، بعد أن باعدت السياسة بين الأمم والشعوب، كما افتتحت المؤسسة مركزاً لحوار الحضارات ومركزاً للترجمة ومعهداً عربياً أوروبياً للحوار بين الثقافات.

وهناك «دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع» التى انطلقت فى بدايتها من القاهرة كذلك منذ ما يقرب من ربع قرن، وأثرت المكتبة العربية بسيل كبير من المنشورات فى كل فنون المعرفة.

كل هذه القاعدة العريضة على أرض الكويت الرحبة والتى يقف عليها الأديب والكاتب المبدع باطمئنان ليكتب عن القضايا العربية الثقافية والأدب العربى بكل اطمئنان، لا يلزم بنهج سياسى ولا حزبى ولا يحاط بأى مؤثر إقليمى، حتى صارت الكويت رافداً عربياً فيه الصفاء والنقاء، يلتقى مع الروافد العربية الأخرى، ولتصب جميعها فى النهر العربى العظيم، لتقوم مجتمعة على إنماء الثقافة العربية، ولتواكب عجلة الحضارة وخدمة الإنسانية جمعاء.

 


مواضيع متعلقة