كلمة لا بد منها.. لله والتاريخ
كلمة لا بد منها.. لله والتاريخ
حينما يمسك المرء اليراع ليكتب فى موضوع ذى بال فإنه يحتاج من دقة الكلمات وصفاء العبارات ما يشعره أن البيان رقيق بين يديه ويوقن أن دروب الكلام رهن يمينه. وإنه مع هذا يحتاج أن يكون ذا أفق رحب ونظر ثاقب ونقد بناء وحكمة راسخة وحجة بالغة فيما يقع من حوله؛ فالدنيا كل يوم فى اختلاف وليس اليوم يشبه البارحة!! فليت الاختلاف قد طغى على صغائر الأمور فى وقتنا الحاضر فحسب.. بل إنه اندفع إلى أصول الأمور وثوابتها، وأصبح التحلل من القديم غاية مرجوة، ومحاربة التراث شيئاً عظيماً وعملاً مطلوباً لو لم يدركه من أراده لعد نفسه من ذوى العاهات لأنه لم يستطع التخلى عن الشىء القليل من القديم!. وكأن القديم قد دخل فى كل شىء! حتى إنك لتستمع فى تلك الآونة إلى من تعالت صيحاتهم بالتخلى عن الخلال والعيش بحرية دونما النظر إلى مجتمع أو عرف أو إنسانية! ولله در شوقى لما تحدث عن هؤلاء محذراً: لا تحذ حذو عصابة مفتونة.. يجدون كل قديم شىء منكراً، ولو استطاعوا فى المجامع أنكروا.. من مات من آبائهم أو عمّرا، كأن الأخلاق التى تقوم عليها الأمم ورهن بقائها قد أصبحت من القديم الواجب مواراة سوءته فى التراب والتخلى عنه بكل يسر حتى تدخل الأمم إلى التقدم من أرحب الأبواب!. وقد تناسى هؤلاء أو نسوا قول شوقى، رحمه الله: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا، ولا ريب أن من يقول ذلك قد تخلى عن دينه ونأى عن عروبته ونهل من معين عدوه وحاد عن الصراط المستقيم وابتعد عن الصواب. وإنك حينما تتحسس مواطن الضعف فى هذه الأمة تجد أن من تعالت أصواتهم بالتخلى عن القديم جعلوا ذلك فى إطار أوحد لا يبرحونه ولا يفتأون إلا أن يكون حظيرة الأخلاق والأعراف والقيم!. لكنك حينما تأتى لتتحدث عن التقدم المادى الملتمس والواجب أن نحياه وهو أننا يجب أن نطور ما بين أيدينا من المصانع المنتجة حتى نكف عن الاحتياج ممن دوننا، وأن علينا أن نرتفع بشأن الثقافة والعلم كى نكون على بصيرة من أمورنا، وأن نجبر كسور التعليم ونداوى أمراض التاريخ لنعرف الحق من غيره، وألا ننقاد وراء كل ناعق من الغرب كالأنعام فإنهم يموتون غيظاً من العرب ويشتعلون حنقاً على حضارتهم؛ تجدهم وقد خفتت أصواتهم وشحبت وجوههم وتراهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت!.. فهم جعلوا ميزان التقدم على أمر أعظم وهو الانحلال.. وما بعده تبع له.