د. ياسر عبدالعزيز د. ياسر عبدالعزيز «هتدفعوا يعنى هتدفعوا»
الخميس 10-09-2015 | PM 10:15

لقد بات واضحاً أن الرئيس «السيسى» لديه مشروع اقتصادى وتنموى كبير؛ وهذا المشروع، الذى قد نختلف عليه أو نتفق، فى حاجة إلى موارد ضخمة، وتلك الموارد غير متوافرة على النحو المناسب فى الوقت الراهن.

يعتقد الرئيس أن مصر فى حاجة إلى مشروعات تنموية مهمة، بعضها يخص «محور قناة السويس»، الذى يجب أن يكون «منارة» و«أيقونة» و«دافعاً للإلهام» قبل أن يصبح «مرتكزاً» لصورة السيسى ونظامه وأيامه، وإجابة عن السؤال: لماذا أطحنا بـ«الإخوان» من الحكم، أو لماذا دفعنا أثمان «30 يونيو» وخضنا معاركها الصعبة؟

يقدر الرئيس ما تحتاجه مصر لبدء انطلاقة اقتصادية وتنموية بنحو 100 مليار جنيه؛ ولذلك فقد أنشأ صندوق «تحيا مصر»، وجعله تحت إشرافه شخصياً. لقد صارح الرئيس الجمهور برغبته تلك، معولاً على رجال الأعمال، الذين يبدو أنه يعرف جيداً حجم ثرواتهم، وطريقة جمعهم لتلك الثروات. وليضع فكرته موضع التنفيذ، فقد سعى عند تدشين مشروع قناة السويس، قبل أكثر من عام، إلى حض رجال الأعمال على التبرع لهذا الصندوق، شارحاً صعوبة أن يتم تمويل المشروعات التنموية الطموحة عن طريق الاستدانة، فى ضوء تفاقم الديون الإجمالية على البلاد، ومبيناً استحالة أن يتم تمويل تلك المشروعات من خلال موازنة الدولة المثقلة بالعجز والمرهقة بالأعباء.

طرح الرئيس فكرته، وأنشأ صندوق «تحيا مصر»، وراح يشجع ويحفز ويحض بإلحاح، لكن الاستجابة كانت أضعف من أى توقع، فلم يتم جمع عُشر ما قدره الرئيس أو تمناه؛ وهو الأمر الذى وضعه فى مأزق صعب، ليس فقط لأن العجز عن جمع تلك الأموال سيجهض الفكرة التنموية ذات المفاعيل السياسية والاستراتيجية، ولكن أيضاً لأن الامتناع عن المشاركة يضرب صورته ومشروعه، وينزع قدرته على خلق المطاوعة اللازمة لإنجاز المهمة التى حددها لنفسه.

وبسبب ذلك، فقد تخلى الرئيس عن حذره حين كان يتحدث إلى مجموعة من رجال الأعمال والمسئولين فى شهر أغسطس من العام الماضى، عشية إطلاق مشروع قناة السويس؛ فقد قال الرئيس بوضوح، مخاطباً رجال الأعمال، «هتدفعوا يعنى هتدفعوا». إضافة إلى اليقين والتصميم الذى تعكسه العبارة نفسها، سيمكن لأى متخصص أن يحلل لغة جسد الرئيس التى رافقت تلك الكلمات، خصوصاً نبرات الصوت، وحركة اليدين، وإيماءات العينين، تخبرنا هذه اللغة بوضوح أن العبارة تجاوزت دلالات الحض والتحفيز إلى دلالات التحذير والتهديد.

يذكرنا هذا بالعبارة التى وردت فى الأثر منسوبة إلى الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، التى تقول: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، والمعنى واضح، إذ يقود تزعزع إيمان بعض البشر إلى تجاوبهم مع أحكام السلطان وغلبته خوفاً، بعدما امتنعوا عن الامتثال لأحكام القرآن كسلاً أو لامبالاة.

هذا قياس مع الفارق، لكن المعنيين يلتقيان عند رئيس يرى ويؤمن ويصدق أنه يحمى دولة ويبنيها، وأن بعض من نعموا بثروات تلك الدولة يحجمون عن المساعدة، ويمتنعون عن المساهمة بما سبق أن جمعوه من خيرها، وبعضه، أو معظمه، لم يأت بطرق مشروعة.

«هتدفعوا يعنى هتدفعوا» وفق هذا التحليل يمكن أن تكون «إن لم تدفعوا عن طيب خاطر من فائض الفساد والطمع، فلتدفعوا مكرهين». فى ضوء هذا التحليل سيمكننا أن نفهم الكثير من الأخبار المفاجئة التى ستتوالى بخصوص كشف قضايا فساد، معظمها قد يطال هؤلاء الذين أثروا فى عقود مبارك الفاسدة الثلاثة. لهذه السياسة جوانبها العديدة؛ وبعض هذه الجوانب يخص تحقيق «العدالة» كما يراها الرئيس، من خلال سياسة «خلق المطاوعة» اللينة، التى يعتمدها فى أول كل أمر، قبل أن يضرب بقوة إن لم تؤت ثماراً، وبعضها الآخر يخص رجوع بعض الحقوق للدولة المنهوبة وللمواطنين الفقراء المسروقين. لكن قطاعات كبيرة من الجمهور بدت مرتاحة ومتفائلة لأن «الفاسدين» قد يدفعون ثمن فسادهم، ولأن الدولة تحارب الفساد الذى أغرقتهم فيه وكرهوه، وهؤلاء سيكونون محبطين إذا وجدوا أن الأمر لا يعدو مجرد «تكنيك» لتعظيم موارد «تحيا مصر». «تحيا مصر» لن يكون شعاراً يعبر عن حقيقة إلا إذا رافقته استراتيجية محاربة فساد فعالة وراسخة ومستديمة، لا تخور عزيمتها، ولا تتوقف مسيرتها، ولا تسير على سطر وتترك سطراً.

محاربة الفساد ستعزز اليقين فى مسار «30 يونيو»، وفى مشروع الرئيس، وفى المستقبل، وهى عملية لا يجب أن تكون مؤقتة أو انتقائية، وبذلك ستكتسب الدعم الشعبى الصلب والدائم، وهو دعم لا يتحقق إنجاز حقيقى بدونه.

 

تعليقات الفيس بوك

عاجل