«الوطن» ترصد: يوم فى حياة موظف: 24 ساعة من «البهدلة المستمرة»

كتب: إمام أحمد

«الوطن» ترصد: يوم فى حياة موظف: 24 ساعة من «البهدلة المستمرة»

«الوطن» ترصد: يوم فى حياة موظف: 24 ساعة من «البهدلة المستمرة»

فى السابعة والنصف من صباح كل يوم، تدق أجراس المنبه، لكنه لا يكترث، يحرك يمناه قليلاً ليسكت الرنين ويواصل نومه. يتكرر المشهد لعدة مرات حتى يضطر الشاب الثلاثينى للاستيقاظ من نومه، والإسراع لمغادرة منزله والوصول إلى عمله بالهيئة العامة للتأمين الصحى قبل العاشرة صباحاً. يحاول ألا يتأخر عن موعده المحدد تجنباً لجزاءات عانى منها فى أوقات سابقة. فور وصوله بعد طريق طويل يقطعه فى أقل من ساعة ويستقل خلاله سيارتين أجرة، يستكمل يقظته فى جهة العمل، فيذهب إلى دورة المياه، ويحتسى فنجان القهوة، ثم يتناول فطوره المعتاد و«يحبس» بعد ذلك بـ«كوب شاى»، حتى يجلس على مكتبه ويبدأ فى مباشرة عمله.

{long_qoute_1}

«أنا وظيفتى إنى أدخّل بيانات الروشيتات الطبية وأصناف الأدوية إلى جهاز الكمبيوتر بشكل يومى»، يتحدث «محمود أصلان»، الذى يعمل بهيئة التأمين الصحى بالقاهرة منذ 9 سنوات، ارتفع خلالها راتبه الحكومى حتى وصل إلى 1100 جنيه شهرياً: «أنا كنت باخد أقل من كدة زمان، وطبعاً المرتب لسّه قليل وما يكفيش حاجة، أنا بدفع حوالى نصّه فى إيجار الشقة اللى اتجوزت فيها، قيمة الإيجار 500 جنيه فى الشهر»، تبدو حياته كملايين غيره خارج حسابات المعيشة، من الصعب رسمها بالورقة والقلم، لكنها بحسبه «ماشية الحمد لله بتساهيل ربنا». أعمال أخرى أداها «محمود» على فترات متقطعة بعد انتهاء ساعات عمله اليومية فى الثانية ظهراً، لكنه لم يواظب على أى منها، حتى قرر الالتزام فى «الوظيفة التانية» بعد دخوله «عش الزوجية» قبل 3 أعوام، خاصة مع إنجابه طفله الوحيد «مالك»، يقول: «المسئولية زادت، وكان لازم أمسك فى شغل تانى، لأنى ما بقتش بطولى زى زمان، بقيت مسئول عن أسرة»، اتجه الشاب الثلاثينى للعمل بأحد معارض السيارات فى مدينة نصر، ليعود إلى منزله يومياً فى الحادية عشرة مساءً، بدلاً من الثالثة أو الرابعة عصراً.

{long_qoute_2}

مجهود مضاعف زاد فوق كاهله، من العاشرة صباحاً حتى العاشرة مساءً خارج منزله يومياً، إضافة إلى ساعات المواصلات الصعبة والطويلة، لكن كل ذلك لم يخفف من عليه أعباء الحياة: «حاجات كتير غليت، الحياة عموماً بقت صعبة، هى زمان قبل ثورة 25 يناير كانت صعبة برضو بس ماشية، لكن بعد الثورة فضلت صعبة، لكن مش ماشية غير بالزق، وأنا لو اكتفيت بشغل الحكومة مش هقدر أعيش.. هموت بالبطىء، الشغل التانى مساعدنى شوية، ومخلينى أقدر آخد بالى من بيتى وابنى، بس الضغوط كتيرة وبتزيد كل يوم»، أحلامه وآماله مثل كثيرين غيره من الشباب غير المنخرط فى أى عمل سياسى، هو فقط تحسن أحوال المعيشة، فى رأيه يمكن تحقيق هذا الأمر لفئة الموظفين الحكوميين التى ينتمى إليها من خلال قرار واحد: «يطبقوا الحد الأدنى والأقصى، هيبقى فيه عدالة بجد، الموظفين الصغيرين اللى زيى هيزيدوا، والكبار اللى بياخدوا أرقام عالية أوى هيقلوا شوية، وبالتالى هيبقى فيه عدالة»، يستدرك فى حديثه بابتسامة تعكس خيبة أمل: «لكن الكبار مش عايزين كده، وهيقفوا فى وش تطبيق القرار، لحد دلوقتى ما تمش تطبيقه عندنا، رغم إننا قدمنا شكاوى واعتصمنا من فترة طويلة، بس قالولنا إجراءات واستنوا وبنعدل الميزانية، ولحد دلوقتى ماشفناش حاجة»، إلى جانب الأدنى والأقصى للأجور، أشار «محمود» إلى شيئين آخرين يتمناهما: «لو قلت لى عايز إيه تانى، هقولك مش عايز غير إن شقتى تبقى مِلك، مادفعش إيجار، ويبقى عندى عربية، علشان بهدلة المواصلات كل يوم.. بس كده، مش عايز حاجة تانى من البلد».

مشاركته السياسية طوال عمره كانت محدودة للغاية، مرة وحيدة قرر فيها الذهاب إلى صناديق الاقتراع ليدلى بصوته، يحكى: «فى انتخابات الرئاسة 2012، بتاعة مرسى وشفيق وصباحى وأبوالفتوح وعمرو موسى وناس تانية مش فاكرهم، رحت لكن أبطلت صوتى، ماكنتش شايف إن فيه حد منهم كلهم يصلح بصراحة»، لم يصوّت فى انتخابات الرئاسة اللاحقة لأنه كان يعرف نتيجتها مسبقاً بحسبه: «كل المصريين كانوا عارفين إن السيسى هيفوز فى الانتخابات، فقلت هروح أعمل إيه»، يرى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى يبذل جهداً كبيراً، إلا أن الظروف التى جاء فيها استثنائية جداً والأوضاع لا تزال صعبة، لا سيما بالنسبة لمحدودى الدخل: «هو الرئيس بيشتغل بصدق، مش زى مبارك ولا مرسى، وبيحاول يعمل حاجات مفيدة للبلد، لكن الظروف صعبة من كل ناحية، ولسه ماحسناش بتأثير المشروعات والخطوات اللى هو عاملها وماشى فيها»، ثمة رسالة مقتضبة يوجهها للرئيس قائلاً: «مش هقوله غير حاجة واحدة، إحنا بنثق فيك، بس بلاش تيجى على الغلابة لأنهم مش ناقصين، وتعالى على الناس الكبيرة اللى كلوا البلد زمان، خد منهم وابنى».

وصل إلى آذان «محمود» ما تردد عن الحاجة لتخفيض أعداد العاملين بالجهاز الإدارى للدولة، يؤكد أن الأعداد بالفعل كبيرة، وقد تكون فائضة عن الحد فى العديد من القطاعات والمصالح الحكومية، لكنه يعترض على هذا التوجه لسبب يراه مهماً جداً، يقول: «طيب وهو اللى هيمشى، هيروح فين؟ هيجيبوله شغل تانى فى مكان جديد، طبعاً لأ. لو عملوا كده هيظلموا ناس كتيرة، وإحنا محتاجين نوجد فرص عمل لشباب قاعد من غير شغل، نقوم نزود أعداد البطالة. قبل ما ياخدوا قرار زى ده لازم يشوفوا البديل الأول». شكاوى واسعة من سوء الخدمة الحكومية لا ينفيها الشاب الثلاثينى الذى قضى نحو ثلث عمره بين أروقة التأمين الصحى، وبحكم عمله على مدار هذه الفترة الطويلة يؤكد: «الخدمة الطبية اللى بتقدمها الحكومة ضعيفة فعلاً، أنا بشوف ده وبلاحظه، والسبب فى كده حاجتين؛ الحاجة الأولى ضعف الإمكانيات، أما الحاجة التانية فهى الإهمال والتقصير اللى من بعض العاملين أنفسهم، خاصة إن مفيش رقابة بجد.. مشكلتنا الكبيرة فى مصر إن مفيش رقابة».

ثلاث مرات للانتقال من وسيلة مواصلات إلى أخرى على مدار يومه، المرة الأولى من منزله إلى عمله الحكومى بوسط القاهرة، والثانية من عمله الحكومى إلى عمله الخاص بالحى العاشر فى مدينة نصر، والثالثة فى طريق عودته إلى المنزل بالقليوبية: «المواصلات حاجة بشعة، الطرق زحمة والأعداد كبيرة، وباخد وقت طويل فى كل سكة كأنى رايح رحلة، ربع اليوم بيضيع فى الشارع بين الميكروباصات والأوتوبيسات»، فى نهاية يومه يحاول أن يختلس وقتاً عائلياً ولو قليلاً بين أسرته: «آخر اليوم بحاول آخد نفسى فى البيت شوية، بلعب مع مالك ابنى، بنتكلم أنا ووالدته، بقلب فى التليفزيون، ويا دوب شوية وأنام علشان أستعد ليوم جديد»، يوم جديد لا يختلف كثيراً عن سابقه، صور طبق الأصل تتكرر فى حياة تعاد يومياً بلا جديد، يخوضها «محمود»، ويخوضها معه ملايين آخرون من أصحاب «الوظيفة الحكومى» الذين ينتظرون تحسن الحال، ويرددون دوماً سراً وعلانية «يارب افرجها».

 


مواضيع متعلقة