المستقبل بيننا: «التطبيع» لن يغلب طبعنا أو تطبعنا!

أحمد شوقى

أحمد شوقى

كاتب صحفي

 

هنالك عبارة شائعة يتم ترديدها بصورة تدعو إلى الثقة الساذجة فى صحتها، تقول: «الطبع يغلب التطبع».

هذه العبارة، التى تعنى غلبة ما نحن مجبولون عليه على ما نتعلمه ونكتسبه بالتجربة والتربية المجتمعية، تتهم علمياً بما يسمى «الحتمية البيولوجية».

هذه الحتمية تجعل منا عبيداً لجيناتنا، وروبوتات يتحكم فى فكرها وفعلها برنامجها الوراثى، الذى يعد قدرها المحتوم منذ التقاء الحيوان المنوى بالبويضة، الذى يشكل البداية الجينية لكل منا. وكمشتغل بعلم الوراثة، لعلنى أكون آخر من ينكر دورها فى تشكيلنا، لكننى بالقطع آخر من يسىء فهم هذا الدور، أو يقع فى فخ التصورات المغالية للحتمية البيولوجية، وينكر الدور الحاسم للبيئة والتربية فى تشكيل توجهاتنا وتهذيب سلوكياتنا.

ولا غرابة فى ذلك، فالعلم الذى نعرفه يقول لنا إن البرنامج الوراثى لنشاط المخ والسلوك البشرى شديد المرونة، وتعتمد مخرجاته على التكيف والتفاعل الكاملين مع البيئة والتربية، والفارق كبير بين ذلك وبين تهويمات العرافين والمتعاملين والمخرفين، ممن امتلأت الساحة بكلامهم الغث (الفارق كبير بين ما يقوله أصحاب البلاطى البيضاء من العلماء، وبين من يستحقون علاجاً طبياً وقمصاناً بدون أكمام، لو أحسنا الظن بهم، بعيداً عن احتمالات التوظيف والعمالة).

ولكن، ما علاقة هذا «الكلام الكبير» بموضوع التطبيع، وأعنى هنا التطبيع الشعبى الاختيارى، الذى لا إلزام فيه، والتطبع المنبنى على حس وطنى وعمق حضارى وإدراك سياسى ناضج؟

هذا ما سنحاول توضيحه فى السطور التالية.

بعد اتفاقية السلام، قامت دولة تحترم معاهداتها بالتطبيع السياسى والاقتصادى (اتفاقية الكويز نموذجاً)، وترك التطبيع الشعبى اختيارياً، كما يجب أن يكون. مارس بعض رجال الأعمال والكتاب والفنانين والعمال ذلك بشكل شبه فردى، لكن الغالبية الكاسحة من أبناء الوطن ومؤسساته الثقافية والإعلامية والعلمية والتعليمية والرياضية تحفظت عليه.

لم يكن ذلك رفضاً للسلام الرسمى، لكنه حس حضارى أصيل باعتباره ورقة الضغط الباقية للوصول إلى السلام العادل بالنسبة لكل القضايا المعلقة، وهو موقف استراتيجى ريادى يتسق مع عروبة مصر، ودورها المحورى فى المنطقة. وهو نموذج رائع لتوافق الطبع الفطرى الإنسانى، الذى يفرق بين الحق والباطل، والتطبع الوطنى التربوى، الذى يقبل السلام دون استسلام، وكلاهما يصب فى صالح مستقبل «السلام المستدام».

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال منطقى: لماذا «يشذ» البعض عن هذا الإجماع؟ لا بد أن نعود إلى العلم، الذى يخبرنا بأن كلمة «يشذ» هذه تعد «كلمة مفتاحية» للفهم.. فالتباين فى كل الصفات السلوكية بلا استثناء حقيقة علمية لا تقبل الجدال. والمجتمع يعطى «الحكم القيمى» على ما هو سوى وما هو شاذ، وتقوم التربية والبيئة المجتمعية والتشريعات القانونية بمعالجة ومواجهة الأشكال الشاذة الأكثر انحرافاً، إذا ما كانت تسبب ضرراً للمجتمع.

وما لا يجرمه القانون لسبب أو لآخر، كما هو الحال بالنسبة للتطبيع الشعبى الاختيارى، ينبذه الشعب ويدين من يقدمون عليه.

ويدرس العلم المكون الوراثى الفسيولوجى لكل صفة سلوكية (الطبع)، والتأثير البيئى والتربوى لترسيخ ما هو سوى، وتهذيب ما هو شاذ (التطبع)، وينتصر لدور التأثير الأخير بالنسبة للسلوك البشرى. لذلك، نرى أن الخروج على الإجماع الوطنى شذوذ لا يندرج تحت حرية التفكير والتعبير، كحق ديمقراطى أصيل، لأنه لا يتعلق بصاحبه وحده، ويؤثر سلباً على خيارات أبناء وطنه، طبعاً وتطبيعاً.

دعنا نقل للتطبيعيين: يا أيها التطبيعيون لا نفعل ما تفعلون، ونؤكد لهم أن تطبيعهم المغرض لن يغلب طبعنا الإنسانى وتطبعنا المصرى/العربى، قولاً واحداً.

أخيراً، لا أظننا فى حاجة إلى أن نشير إلى المستفيد من «فرقعة» التطبيع الأخيرة. نحن أمام «كيان شاذ» طبعاً وتطبعاً، متمرس فى إحداث الثغرات فى حائط الصد العربى لمخططاته والاستفادة منها.

وعلينا أن ندير صراعنا الحضارى معه مدركين ذلك، ومصرين على التماسك والتمسك بثوابتها الصحيحة، التى سيثبت المستقبل صدقها وحضاريتها، بل فاعليتها لتحقيق «السلام المستدام» الذى ذكرناه.