مجلس النواب وقضايا تفعيل وحماية الدستور

على السلمى

على السلمى

كاتب صحفي

من أسف، أن دستور ثورتى 25 يناير / 30 يونيو لم يحظ بالاهتمام الكافى من الأحزاب والقوى السياسية، حيث لم تنشط تلك الكيانات فى دراسة وتحليل الدستور والدعوة إلى تفعيله بما يحقق مقاصده، ولم نلحظ أن الدستور الجديد قد أثار اهتمامها سواء على مستوى القيادات أو المرشحين عن تلك الكيانات أو أصحاب القوائم الانتخابية، الذين تسابقوا للحصول على مقاعد مجلس النواب، ولم نجد لا فى برامج الأحزاب ولا المرشحين ولا أصحاب القوائم، إن كان ثمة برامج أصلاً، ذكراً للدستور!

وتتمثل الطامة الكبرى فى إهمال الدولة للدستور الجديد وعدم الاحتفاء به كأساس لتوجيه العمل الوطنى ودفع المسيرة إلى المستقبل، فلا مجلس الوزراء اهتم بالإعلان عن الخطط والإجراءات لتنفيذ مجموعة الالتزامات التى حملها الدستور للدولة، ولا انعكست تلك الالتزامات العديدة على خطط وبرامج عمل الوزارات المعنية التى ذكرها الدستور تحديداً، مثل وزارات التعليم والتعليم العالى والبحث العلمى والصحة والإسكان، التى ألزمها الدستور بواجبات محددة!

وليس هذا النقد موجهاً إلى حكومة م. شريف إسماعيل فقط، ولكنه يشمل كل الحكومات التى تولت مسئولية الحكم بعد نفاذ الدستور!

كذلك يصبح موقف مجلس النواب غريباً من الدستور الذى نص على مهامه وصلاحياته، لدرجة أن بعض المطالبين بتعديل الدستور قبل أن يتم تطبيقه يروجون أن الدستور قد توسع فى تحديد صلاحيات مجلس النواب على حساب صلاحيات رئيس الجمهورية، وهذا افتراء على الدستور ومحاولة للتزلف إلى رئيس الجمهورية، فعلى مدى ما يزيد على الشهرين منذ بدأت جلسات المجلس فى العاشر من يناير الماضى حتى اليوم الخامس عشر من مارس 2016، لم يناقش المجلس خطة عمله فى تفعيل الدستور، بدءاً من الوفاء بإصدار التشريعات التى ألزمه بها، ومن بينها المادة 239 ونصها «يصدر مجلس النواب قانوناً بتنظيم قواعد ندب القضاة وأعضاء الجهات والهيئات القضائية، بما يضمن إلغاء الندب الكلى والجزئى لغير الجهات القضائية واللجان ذات الاختصاص القضائى أو لإدارة شئون العدالة أو الإشراف على الانتخابات، وذلك خلال مدة لا تتجاوز خمس سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وكذلك المادة 235 وقد ألزمت المجلس أن يصدر فى أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانوناً لتنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية، وأيضاً المادة 241 وقد نصت على أن يلتزم مجلس النواب فى أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية.

وعلى حين حصل أعضاء مجلس النواب على إجازة بعد الانتهاء من إقرار اللائحة الداخلية، من يوم التاسع من مارس حتى السابع والعشرين من نفس الشهر، بما يعنى أنه خلال ثمانية وسبعين يوماً عمل فيها البرلمان واحداً وعشرين يوماً، بينما تعطل المجلس سبعة وخمسين يوماً، أى إن أعضاء المجلس حصلوا على ما يقرب من شهرين إجازات، لم يقدموا للشعب أى إنجاز يستحقون عليه ما يتقاضونه من رواتب ومكافآت! وسوف ينشغل المجلس بعد عودته للانعقاد ببيان الحكومة الذى سيقدمه رئيس مجلس الوزراء، والمفروض أن يصل فيه المجلس إلى قرار بمنح الحكومة الثقة خلال ثلاثين يوماً على الأكثر، وفى حالة حجب الثقة عن الحكومة سينشغل المجلس بترشيح من يكلفه رئيس الجمهورية بتشكيل حكومة جديدة خلال ثلاثين يوماً أخرى وتلقى بيان تلك الحكومة، وذلك تنفيذاً للمادة 146 من الدستور، وما قد يترتب على فشل المكلف بتشكيل الحكومة مرة أخرى من إجراءات حل المجلس!!

والعبرة المستفادة من عرض هذه التواريخ أن مجلس النواب الموقر غير مدرك لمسئولياته التى نصت عليها المادة 101 من الدستور، كونه يتولى سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وذلك كله على النحو المبين فى الدستور، إن تفعيل الدستور هو شرط أساسى لكى يستطيع المجلس القيام بمهامه ومباشرة صلاحياته!

إن تفعيل الدستور يتطلب ثورة مكملة، ثورة تشريعية شاملة، تستمد أهميتها من أنها ستكون أساساً، فى حال تمت بالكفاءة القصوى وبالتجرد الوطنى الذى لا ينحاز سوى للمصالح الوطنية العليا، لانطلاق الوطن نحو مسيرة جادة للتنمية الوطنية الشاملة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهى الأهداف التى قامت من أجلها ثورتا 25 يناير /30 يونيو.

والإشكالية هنا أن إتمام تلك الثورة التشريعية يستلزم تفكيراً غير تقليدى، حيث إن مسئوليتها إنما تقع على مجلس النواب بالدرجة الأولى، وتشاركه السلطة التنفيذية، ممثلة فى رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، مسئولية اقتراح القوانين، والحال كذلك، فإن القيام بتلك المهمة الوطنية يتطلب أن تبادر اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب بإعداد الأجندة التشريعية اللازمة للوفاء بكل متطلبات تفعيل الدستور، وحين تتم إجازة القوانين المقترحة من المجلس تحال إلى رئيس الجمهورية لإصدارها، ولا يمنع تطبيق هذا الاقتراح رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء وأعضاء مجلس النواب من اقتراح القوانين فى الموضوعات التى تخرج عن دائرة الأجندة التشريعية لترجمة نصوص الدستور إلى تشريعات نافذة.

كلمة أخيرة؛ إن من المقومات المهمة فى تأسيس دولة الدستور، أن تفصح الدولة عن كيفية وفائها بالتزاماتها التى نص عليها الدستور، وأن تلتزم السلطات التنفيذية، والقضائية، والتشريعية فى جميع أعمالها وتصرفاتها وقراراتها بأحكام الدستور، وذلك حيال المواطنين والوافدين إلى الوطن، وفى علاقتها بين بعضها البعض.

لذا أرجو أن يراقب مجلس النواب أداء أعضائه وأداء الحكومة وأعضائها ووسائل الإعلام، فيما يصدر عن الجميع من تقليل لشأن الدستور أو محاولة تعطيل مقاصده، وذلك انطلاقاً من مسئوليته عن تفعيل وحماية الدستور وحمايته ضد محاولات الالتفاف والتنصل من مبادئه والوفاء بالحريات والحقوق والواجبات العامة التى نص عليها.