«سينما نظيفة» وواقع محبط

أمير العمري

أمير العمري

كاتب صحفي

من أكثر الأشياء مدعاة للسخرية أن تقرأ يوميا عن «السينما النظيفة» ليس فقط من الضالعين فى تنظيم «الإخوان المتسعودين» فى مصر، بل ومن بعض الكاتبين فى شئون السينما ممن يطلقون على أنفسهم «ناقدين سينماويين» (طبقا لمستواهم اللغوى). هؤلاء يجب أن نطلق عليهم «دعاة تعقيم السينما» أو بمعنى أصح، استئصالها مع استئصال غيرها من الإبداعات الإنسانية الأخرى مثل الغناء والمسرح والرسم والتصوير والشعر الذى يخرج عن المديح والإنشاد، والأدب، وخصوصا أدب الاعترافات والنقد الاجتماعى، ورغم ظهور هذا النوع من «شيوخ الطريقة» وأتباعهم من بعض صغار الكتبة وأذنابهم ممن تسللوا إلى أجهزة الإعلام فى زمن الانحطاط الفكرى والسياسى والثقافى فى الحياة العامة منذ أكثر من ثلاثين عاما، وعلى الرغم من نشاطهم الكبير، وتمويلهم الذى لا ينقطع، ورغم بنيتهم التحتية الهائلة التى أقاموها وتوسعوا فيها، من مدارس إلى مستشفيات، إلى متاجر ضخمة، إلى عيادات صحية شاملة، وغير ذلك، ورغم ارتفاع أصوات أبواقهم المزعجة، لإرهاب الأطفال النائمين وجعلهم يرتعدون فى فراشهم، ورغم انتشار مطبوعاتهم وقنواتهم التى تطل من على شاشاتها «سحن» شيطانية تدخل القشعريرة إلى النفس، وأشباه رجال يسدلون على رءوسهم خرقا من القماش الملوث، لاتخاذ مظهر الحكمة فيما تنفر الأفاعى من رائحتهم، أقول رغم كل ذلك، فإن دعوة تنظيف السينما من الفن، ومن الفكر المخالف، ومن الجماليات التى لا ترضى أناسا لا يعرفون من الفنون سوى الزخارف المجردة المستنسخة، هذه الدعوة تثير من الضحك والسخرية أكثر مما تثير من الاهتمام، فما معنى سينما نظيفة، وهل البديل هو السينما المحجبة؟ أى منع ظهور وجه المرأة على الشاشة واعتباره مع صوتها، عورة وفتنة، بل واعتبار ظهور العينين أيضا فتنة على شاكلة ما يقره أئمة طالبان، هل نجعل السينما وسيلة للترويج للفكر الفاشى المخيف الذى يريد أن يصادر على كل ما خلقه الله من جمال ورونق وانسجام فى الطبيعة وفى الحياة وفى التكوين البشرى نفسه! أما آن الأوان أن ينهض كل المدافعين عن الحرية (لا عن حرية الرأى فقط) بل عن الحرية بالمعنى الكلى الشمولى، للدفاع عن الدعوة إلى «إخصاء وتعقيم» السينما وغيرها من الفنون؟! هذا الواقع الذى لوثه هؤلاء بادعاءاتهم وأفكارهم التى تستند إلى كتابات كتبت فى عصور التدهور الفكرى، ألا يدعونا إلى الثورة عليه، والمطالبة بتأسيس ثقافة أخرى غير تلك التى رسخها هؤلاء على مدى العقود الأربعة الأخيرة! لقد آن الأوان لكى تراجع النخبة المدنية دورها وتبدأ فى شق الطريقين اللذين لا بديل لهما: طريق التأسيس لثقافة تتصدى للفكر الظلامى، وطريق تغيير المنظومة المستبدة التى تتحصن بالدبابات.. ولا أظن أن هناك بديلا آخر.