محمد يونس.. اقتصادى أنقذ نساء وطنه من الفقر بـ27 دولاراً

كتب: صالح إبراهيم

محمد يونس.. اقتصادى أنقذ نساء وطنه من الفقر بـ27 دولاراً

محمد يونس.. اقتصادى أنقذ نساء وطنه من الفقر بـ27 دولاراً

قرية صغيرة من أفقر قرى بنجلاديش، يرزح أغلب سكانها تحت خط الفقر وحصار المجاعة، وقطاع مصرفى لا يعترف سوى بالأرباح والأغنياء، وحكومة لا تجد سبيلاً لإخراج الفقراء من دائرتهم المحكمة والآخذة فى الاتساع.. كانت تلك الصورة الحاضرة بقوة أمام البروفيسور الذى درس الاقتصاد فى جامعات الولايات المتحدة وكندا طوال سنوات عدة، عندما شرع فى تدريس مادته العلمية من خلال جامعة «شيتاجونج» التى أصبح رئيساً لقسم الاقتصاد فيها فى بداية السبعينات.

{long_qoute_1}

فى إحدى الليالى، مر الدكتور محمد يونس بجوار امرأة تعمل فى فى تصنيع الكراسى من «الخيزران» وعندما سألها عن تمويل مشروعها الصغير، أجابته بأنها تلجأ لاقتراضه من أحد المرابين فى القرية لشراء البامبو الخام، وتظل تعمل طوال 12 ساعة يومياً فى تصنيع الكراسى لرد القرض وفوائده ثم لا يبقى لها بعد ذلك إلا الكفاف لتعيش منه.

زادت حدة الفقر، وأنشبت المجاعة أظافرها فى فقراء بنجلاديش، حتى راح ضحيتها نحو مليون ونصف المليون شخص، وقتها أدرك العالم الاقتصادى أن نظرياته التى يقوم بتدريسها فى الجامعات فشلت فى إنقاذ دولته المستقلة حديثاً والمتجهة بسرعة نحو الهاوية. فى كتابه «عالم بلا فقر» يقول «يونس»، الذى نال جائزة نوبل نتيجة فكرته «جرامين بنك»: «فى 1974 وقعت بنجلاديش فى براثن المجاعة، فى أول الأمر لم نكن نهتم كثيراً بالتقارير الصحفية التى كانت تنشر عن الموت والمجاعة فى القرى النائية فى الشمال، لكن بدأ يظهر بعد ذلك أناس يشبهون الهياكل العظمية فى محطات السكك الحديدية ومحطات الحافلات بالعاصمة دكا. وسرعان ما أصبح هذا السيل الصغير فيضاناً، وانتشر الجوعى فى كل مكان، وكانوا غالباً ما يجلسون فى حالة من السكون تجعل المرء يشك فيما إذا كانوا أحياءً أم أمواتاً، وكانوا جميعاً يشبهون بعضهم البعض، كبار السن يشبهون الأطفال والأطفال يشبهون كبار السن».

ويمضى «يونس» فى استعراض الصورة القاتمة حينذاك، فيقول: «لم يكن الجوعى يرددون أى شعارات، ولم يكونوا يطلبون أى شىء منا، نحن أهل المدينة الشبعى، لقد كانوا يرقدون فقط بهدوء تام على عتبات أبوابنا وينتظرون الموت». بدأ محمد يونس مشروعه التطوعى عندما أقرض 42 امرأة من الفقراء مبلغاً بسيطاً من المال من جيبه الخاص بدون فائدة، ودونما تحديد لموعد الرد، ويقول شخصياً إن هذا المبلغ لم يكن يتجاوز 27 دولاراً، ولأنه رأى عدم إمكانية الاستمرار فى ذلك فقد حاول إقناع البنك المركزى أو البنوك التجارية فى بلاده بوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، فكانت السخرية والاستهانة الرد الأسرع من قبل المصرفيين وقتها، الذين اعتبروا أن الفقراء ليسوا أهلاً للإقراض، وعبثاً حاول إقناعهم أن يجربوا، ومن ثم فقد اقترض قرضاً خاصاً ليبدأ به مشروعاً فى قرية جوبرا.

{long_qoute_2}

قام مشروع «جرامين بنك» على فكرة أساسية هى ضمان رأس المال الاجتماعى، من خلال توفير رؤوس أموال للفقراء فقط فى صورة قروض دون ضمانات مالية ليقوموا بتأسيس مشاريعهم الخاصة المدرة للدخل، تأسيساً على الضمان الجماعى المنتظم فى صورة مجموعات مكونة من خمسة أفراد، ومراكز مكونة من ست إلى ثمانى مجموعات، ويعتبر الشرط الوحيد للاستفادة من خدمات البنك هو أن يقدم المستفيدون من الطلب ضمن مجموعة لا تقل عن خمسة أشخاص وأن يتكاتفوا من أجل دفع الأقساط ويساند بنك القرية بكل قوة النماذج الباقية فى القرية وترغب فى تنمية مواردها من البيئة المحلية.

نجح مشروع «يونس» نجاحاً باهراً بعد أن غيّر حياة 500 أسرة من الفقراء، وفى عام 1979 اقتنع البنك المركزى بنجاح الفكرة وتبنى مشروع «جرامين» أى «مشروع القرية». حدد البروفيسور طريقه، ومضى فى متابعة وإدارة المشروع بين عامى 1976 و1979 فى محاولة لإثبات وجهة نظره بأن الفقراء جديرون بالاقتراض.

فى 1981 زاد من حجم المشروع ليشمل 5 مقاطعات فى بنجلاديش، وفى كل مرحلة من تلك المراحل تتأكد تدريجياً فاعلية نظام القروض المتناهية فى الصغر حتى وصل عملاء بنك «جرامين» عام 1983 إلى 59 ألفاً يخدمهم 86 فرعاً، وفى تلك المرحلة قرر «يونس» إنهاء حياته الأكاديمية والمضى قدماً فى طريقه، حيث تم اعتماد البنك فى ذلك العام كمؤسسة مستقلة ترتبط حياته بها. اليوم يخدم «جرامين» أكثر من 6.5 مليون مقترض فى بنجلاديش 96% منهم من النساء، وبنجلاديش التى كان 90% من عدد سكانها فقراء، انخفضت فيها نسبة الفقر لتصبح أقل من 25% ومن المخطط أن ينتهى الفقر فى 2030. بعد نجاح الفكرة وانتشارها، تأسست مؤسسة جرامين القابضة للبنك فى العام 1997 وكونت شبكة عالمية شملت 52 شريكاً فى 22 دولة، وقدمت خدماتها لنحو 11 مليوناً فى آسيا وأفريقيا والأمريكتين والشرق الأوسط.

«كان حلمى أن يكون أول فرع لبنك جرامين فى الشرق الأوسط بالقاهرة، لكن البيروقراطية».. هكذا يقول «يونس» فى أحد حواراته الصحفية، ليلقى بالكرة فى ملعب الحكومة المصرية التى تعلن صباحاً ومساءً عن خطط للقضاء على الفقر، لم ترَ طريقها إلى الفقراء بعد.

               سيدات بنجلاديش يعتبرن تحت خط الفقر


مواضيع متعلقة