ثقافة الاختلاف: تأصيل علمى!

أحمد شوقى

أحمد شوقى

كاتب صحفي

خلال زيارة الرئيس للكاتدرائية للتهنئة بأعياد الميلاد، ذكر مطالبته لأحد المفكرين بالكتابة عن ثقافة الاختلاف، وضرورة أن تستوعبها الأجيال الجديدة فكراً وفعلاً فى المراحل التعليمية المختلفة. ولأن ثقافة الاختلاف أهم عوامل حماية المجتمع من الخلاف والاستقطاب المتطرف، اللذين يمهدان الطريق إلى العنف والإرهاب، فإن العمل المخلص على نشرها فى المجتمع يجب أن يكون على قائمة أولويات المفكرين التنويريين فى مصر والمنطقة العربية. كما أن مؤسسات المجتمع المدنى الثقافية يمكن أن تسهم بشكل كبير فى هذا المجال.

ومن المعروف أن ثقافة الاختلاف لا يمكن أن تزدهر إلا بنشر ثقافة الحوار عبر كل مؤسساتنا الثقافية والاجتماعية، بل والسياسية والاقتصادية والأمنية.. إلخ. إننا فى حاجة إلى التخطيط المنهجى لإحداث موجات حوارية مجتمعية واسعة، تضم الشباب ولا تقتصر عليهم، وإن استدعت المرحلة الحالية تخصيص مبادرة حوارية مشكورة معهم. هذه الموجات الحوارية ستدربنا جميعاً على أن «نختلف لنأتلف»، ونؤمن بثراء التنوع فى إطار الوحدة الوطنية الجامعة، والأهداف المستقبلية التى نسعى إلى تحقيقها، ولا شك أن الحوار حول الاختلاف سيظهر المساحة الكبيرة للاتفاق والتشابه، ومن هذا تكمن عبقريته وضرورته.

لا نظن أن ما سبق يمكن أن يكون موضع خلاف أو اختلاف، والفارق كبير بين الأمرين، إلا أننا نود أن نقدم «تأصيلاً علمياً» لثقافة الاختلاف، نرجو ألا يعده أحد خروجاً عن الموضوع، فما أحوجنا إلى التأصيل العلمى لكل شئون حياتنا. إن العلوم الطبيعية تعطى لنا نموذجاً دالاً يستحق التأمل فالتشابه والاختلاف هما سنة الله فى خلقه من «ما دون الذرة.. إلى ما فوق المجرة»!!!. ندرس نسيج الكون الفسيح فنجد أن وحداته البنائية، التى ما زلنا نجتهد فى دراستها، تتشكل فى عديد من الذرات والجزئيات المتشابهة والمختلفة والقوى القوية والضعيفة، ونسعى إلى صياغة نظرية موحدة، نسميها نظرية كل شىء، ونحاول أن نتعرف على الصورة الكبيرة له، ورسم خريطته.

وإذا انتقلنا إلى عالم الكيمياء، الذى لا ينفصل عن عالم الفيزياء، نجد التباديل والتوافيق لآلاف المركبات الكيميائية بخصائصها المتشابهة والمختلفة، التى تسمح بالعديد من علاقات «الائتلاف» بينها فى التفاعلات المحكومة بقوانينها الخاصة. وتساعدنا الثورة العلمية والتكنولوجية فى تخليق كيماويات ومواد جديدة مهمة لحياتنا، مع التقييم المستمر للآثار السلبية لبعضها، لأن الآثار الجانبية للعلم لا تعالج إلا بالعلم. أما النقلة الكبرى موضوعنا، فتتعلق بعالم الحياة، الذى لا ينفصل بدوره عن الفيزياء والكيمياء. يبهرنا التنوع الهائل والتشابهات والاختلافات الثرية لملايين الأنواع الميكروبية والنباتية والحيوانية. والقانون الجميل الذى يحكمها أن النوع الأكثر تبايناً واختلافاً بين أفراده هو الأفضل تكيفاً وتطوراً، وتحملاً للظروف البيئية غير الملائمة. إن نوعنا الخاص تمتع بهذه الميزة، فانتشر فى بيئات شديدة التباين، واستعمر الأرض. ولعل هذا هو الاستعمار الوحيد المشروع!!! هذا النوع كغيره، به من أوجه التشابه ما يجعل من كل فرد من أفراده ينتسب إلى العائلة البشرية، ومن الاختلاف ما يجعل كل منهم متميزاً عن غيره. والدرس البليغ هنا يتمثل فى الدعوة إلى «المساواة لا التماثل». المساواة حق نطالب به، والتماثل وهم مستحيل علمياً وعملياً، ونحمد الله على ذلك. هل يمكن أن نتصور عالماً من البشر المتماثلين؟ بالطبع لا. فلماذا لا نقبل الاختلاف بل ونحتفى به ثقافياً، كما رصدناه علمياً؟ من يرفض الحقيقة، التى تؤكد ثراء التنوع والتعددية اللازمين للتكيف والتطور، كونياً وفيزيائياً وكيميائياً وبيولوجياً، وأيضاً ثقافياً / اجتماعياً؟

هذا هو الدرس الذى استوعبته من علم الوراثة، الذى قضيت عمرى المهنى فى دراسته وتدريسه، وعشت ثقافته وتجلياته المجتمعية والأخلاقية، وأشكال التداخل العلمية والتكنولوجية لتطويعه وتطبيقاته، التى تنطلق من معالجة جوهره الأسمى: «التشابه والاختلاف». وعلينا أن نوسع دائرة الوعى بجوهره الأسمى المذكور، بأن نضمنه فكرياً فى كل مجالات حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، من منطلق «التنوع فى إطار الوحدة»... وحدة الانتماء، والتوافق على الأهداف الوطنية الكبرى.