خرج كل المعارضين ممن التقوا الرئيس مباشرة بانطباعات إيجابية عن الرجل: طيب.. مخلص.. صادق.. عفوى.. عاوز يعمل حاجة للبلد. نجح مرسى خلال معركته الانتخابية وبعد فوزه بالرئاسة فى الظهور بصورة الرئيس التوافقى الديمقراطى القادر على مد جسور الحوار مع الأطراف الوطنية كافة، أما اليوم وخلال ستة أشهر، فتتغير الصورة الذهنية لمرسى بسرعة لدى الكثيرين لتقترب من صورة «الرئيس الديكتاتور». هل يملك الرئيس من الصفات الشخصية ما يجعله ديكتاتوراً بطبعه؟ هل كان هناك ديكتاتور كامن منذ البداية ينتظر الظروف المواتية للظهور؟ كانت فترة الترشح للرئاسة فرصة لإخضاع كل المرشحين لأدوات التشريح النفسى. أجمع علماء النفس والطب النفسى -مصريين وأجانب- على تصنيف مرسى كقيادة من طراز بيروقراطى لا زعامة كاريزمية مؤثرة وجدانياً فى الجماهير. عادة ما يكون مؤشر «تقدير الذات» لدى الزعامات الكارزمية مرتفعاً -لدرجة الهوس أحياناً- وهو سلاح ذو حدين؛ إذ يوفر للزعامة ميزة التأثير الوجدانى فى الجماهير -حتى المخالفين سياسياً- ما يعطيها القدرة على اتخاذ قرارات ثورية دراماتيكية صعبة حتى لو كانت تنطوى على الديكتاتورية. مشكلة مرسى أنه أقدم خلال الفترة الأخيرة على اتخاذ قرارات من هذا النوع دون إدراك لطبيعة قيادته غير القادرة على حشد تيار جماهيرى جارف وراءها. كيف يمكن تفسير هذا التناقض وتلك المفارقة بين طبع الرئيس «الطيب» وقراراته «الديكتاتورية» الخطيرة؟
يصف المحللون شخصية مرسى بأنها تجسيد لنمط «المُمتثل» للجماعة. هذه الشخصية هى عادة شخصية مخلصة ملتزمة بالأسرة والعائلة والأهل والعشيرة و«الجماعة» التزاماً يصل إلى حد التطابق. الذات هنا لا أهمية لها، بل إنها تكتسب قيمتها من تحقيقها لأهداف الجماعة؛ لذلك لم يجد مرسى أدنى غضاضة فى الاختفاء والبعد عن النجومية حتى منتصف الثلاثينات من عمره، مشتغلاً فى صمت فى خدمة «الجماعة»، كما لم يشعر بأدنى إهانة فى قبوله لدور الاحتياطى للشاطر فى الترشح للرئاسة، المهم مصلحة «الجماعة». ثمة احتمال أن طبيعة الرئيس فى حد ذاتها لا تنطوى على أى نزعات ديكتاتورية، وأنه كان صادقاً فى كل الوعود التوافقية التى قطعها على نفسه مع القوى الوطنية ومع الشعب. لكن بعد الوعود تأتى الأوامر، وهو بحكم طبيعته «يمتثل»، المؤكد أن رأى الجماعة يعلو على رأى أى فرد فيها، حتى لو كان هذا الفرد هو الرئيس. قد يُدخل هذا السيناريو مرسى فى أزمة مستقبلية مع جماعته (قد تكون بدأت بالفعل)؛ فمنذ توليه الرئاسة يستشعر اتساع «جماعته المرجعية» لتشمل مصر كلها، لا جماعة الإخوان فقط. الأرجح أن طبيعته وافتقاده للكاريزما وللشعبية الجارفة يجعلانه غير قادر على الإفلات من هيمنة جماعته الأولى -كما حدث مراراً فى التاريخ- ما قد يفتح الباب أمام استبعاده، وظهور قيادة أخرى أكثر قدرة على الحسم من داخل الجماعة ذاتها.
الاحتمال الثانى أن الرئيس نفسه لديه تبريرات عقلانية عميقة لقراراته الديكتاتورية من قبيل المصلحة العليا للوطن، أو تجاهل عبث القلة المعارضة المعطلة للاستقرار... إلخ، أو أنه خاضع لمرارات نفسية نتيجة تراكم تاريخ الظلم والاستبداد السياسى الذى عاناه وعانته جماعته طوال سنوات طويلة. يميل بعض المحللين إلى أن هذه التراكمات لا تذوب بل تظل كامنة لتنفجر بشكل لا واعٍ فى الوقت المناسب، وهو ما يفسر ما لاحظه البعض من تحول الرئيس بسرعة فى خطاباته من نبرة الحديث الهادئ المستوعب للمخالفين إلى نبرة الوعيد الحاد المتهم لهم. وفق هذا السيناريو، لم تكن لقاءات الرئيس التوافقية بالقوى السياسية سوى نوع من إدارة الوقت من سياسى محنك للتغطية على عملية التمكين الديكتاتورى للإسلام السياسى فى البلاد.
الأخبار المتعلقة:
الديكتاتور.. ظن أنه صوت السماء فانقلب على الديمقراطية
فى السينما.. سياسى «ألعوبان».. وأب «متحكم».. وعاشق «مهزوم»
د. أحمد عكاشة يحلل: المولود من رحم «التطرف»