لا نكون مبالغين إذا قلنا إن مصر بلد استثنائى فيما يتعلق بالثقافة، تراثاً وإنتاجاً واستمتاعاً كانت مصر دائماً مركز إشعاع ثقافى، فبتاريخها القديم هى فجر الضمير الإنسانى كما عَرّفها جيمس برستيد، كما أنها بلد الإسكندرية منارة العالم الكلاسيكى، ومقر بابا المسيحية الشرقية، وهى أيضاً بلد الأزهر الجامعة التى يمتد تأثيرها الثقافى من إندونيسيا إلى المغرب العربى.
وفى العصر الحديث ومنذ منتصف القرن التاسع عشر توافد على مصر، ولأسباب مختلفة، الكثير من مهاجرى أوروبا والدول العربية المجاورة، من فلسطين ولبنان وسوريا وتونس والمغرب وغيرها، كان الجميع يجد لنفسه مستقراً ومساحة للإبداع. وقد ساهم هؤلاء جميعاً فى تعضيد الدور الثقافى المصرى عبر الدور المهم الذى لعبوه فى مجالات الطباعة والنشر والمساهمة وتأسيس الصحافة والمسرح والسنيما مستفيدين فى ذلك من قدرة المجتمع المصرى على قبول الثقافات المختلفة عنه بسهولة ويسر بل ودمجها وصهرها فى الثقافة المصرية. لقد كانت مصر وحتى وقت قريب من أكثر بلدان العالم العربى احتفالاً بالثقافة وتنوعاتها وكانت الأكثر إنتاجاً للثقافة الجادة والرصينة لكنها تعانى الآن من تراجع ثقافى مخيف يهدد ما بنته لأجيال مضت.
وعندى أن أحد أسباب تراجع القبول بالتعددية الثقافية فى مصر هو ما حدث فى المنطقة من تغييرات سياسية منذ منتصف القرن العشرين، ومنذ أن تأسست الدولة اليهودية فى عام 1948، فقد أثار الحدث فى وقته المتشددين من جماعة الإخوان المسلمين، وعلى مدار السنوات الثلاثة التالية كان استهداف اليهود وأعمالهم بعمليات عنف دفعت الكثيرين منهم إلى الهروب إلى الدولة اليهودية. ومنذ هذا الوقت بدأت عملية تراجع كبيرة فى القبول بالتعددية الثقافية على كافة المستويات، ساهمت فيه نظم الحكم المستبدة التى أغرقت المجتمع المصرى فى التمركز حول تصور سطحى للهوية الوطنية ثم غذتها فيما بعد تصورات دينية متطرفة عن الأنا والآخر.
ورغم كل ذلك فإن المجتمع المصرى به تعددية ثقافية واضحة، فهناك أهلنا فى الجنوب من الصعيد ولهم ثقافتهم وهناك أهلنا فى الوجه البحرى ولهم ثقافتهم، والأهم من ذلك أن هناك أهلنا فى أقصى الجنوب من النوبيين، وفى أقصى الشرق من السيناويين، وفى أقصى الغرب من الأمازيغ، وفى طول الصحراء وعرضها من البدو، وفى أقصى الجنوب الشرقى من قبائل البشارية. لدينا أيضاً تعددية ثقافية على مستوى الأديان والمعتقدات، فلدينا مجتمع أغلبه من المسلمين السنَّة وقلة قليلة من الشيعة، ولدينا أقباط مسيحيون من طوائف مختلفة، ولدينا بهائيون ولا أدريين.
علينا أن نعترف أن لدينا تنوعاً واسعاً من الأنماط الثقافية، وأنه لا قداسة لنمط دون غيره، علينا أن نراجع مفاهيم الثقافة الواحدة، ووحدة الثقافات وأن هناك مقومات ثقافية محددة لها قداسة عن باقى مكونات الثقافة المصرية كما يريد أن يفرضها علينا البعض، علينا أخيراً أن نضمن الحقوق االثقافية للجميع كما اتفقت عليها المواثيق الاتفاقات الدولية التى سأعرضها عليك فى المقال القادم.