نادت أهداف ثورة 25 يناير، ضمن ما نادت، بالسعى إلى تحقيق برنامج للعدالة الاجتماعية يكون قادرا على إزالة الفوارق التى صنعتها سياسات نظام مبارك بين طبقات المجتمع المتباينة. ولم تكتف جماهير الثورة بمجرد رفع أو ترديد الشعارات المبهمة لتحقيق هذا الهدف فقط، وإنما أبدعت فى وضع ملامح خطة اقتصادية أولية وسريعة لتوفير حصة تشاركية عادلة لجميع المواطنين فى خيرات المجتمع، تبلورت مع المطالب المتكررة بضرورة العمل على وضع إطار دستورى وتشريعى لإقرار الحدين الأدنى والأقصى للأجور النقدية طبقاً للمعايير العالمية المعمول بها من قبل منظمة العمل الدولية، فضلاً عن إعادة الاعتبار لمفهوم الأجر الاجتماعى، أى مجمل الخدمات التى تقدمها الدولة لتغطية الاحتياجات الأساسية للمواطنين مثل التعليم والصحة والنقل وغيرها، بشكل يضمن لهم مستوى معيشة لائقا وحياة كريمة تنعدم فيها كل الفوارق غير المقبولة اجتماعياً بين الأفراد والجماعات والأقاليم داخل الدولة.
تلك كانت بعض أسس ودعائم عدالتنا الاجتماعية التى ناضلت الجماهير من أجلها وأمّلت فى رؤيتها داخل أول دستور يُكتب بعد ثورتهم ضد الاستبداد والفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعى. ولكن على ما يبدو أن هناك اختلافاً كبيراً بين نمط العدالة الاجتماعية التى نريدها وبين النمط الشكلى الذى وضعه أعضاء اللجنة التأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد، حيث جاءت المادة (14) منه لتنص على ضرورة ربط الأجر بالإنتاج وليس بمستويات الأسعار، وهو أمر عجيب لأن إنتاجية العامل لا ترتبط بمستوى مهاراته فقط، وإنما تعتمد بنسبة أكبر على مدى حداثة الآلات والمعدات التى يعمل عليها، وطبيعة النظام الإدارى القائم على تنظيم شئون العمل، فضمان الحد الأدنى العادل للأجر لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ارتباط الأجر بالتغيرات التى تطرأ على هيكل أسعار السلع الأساسية وغيرها، لأنه كلما ارتفعت الأسعار زادت بمقتضاها تكلفة المعيشة ونفقاتها، وبالتالى تتغير تكلفة الاحتياجات والمتطلبات الرئيسية من المأكل والمسكن والكساء والصحة والانتقال والترفيه، أى كل ما يشبع احتياجات العامل وأسرته المعيشية.
وبالرغم من مطالبة هذه المادة الشكلية بوضع حد أدنى للأجور والمعاشات عموماً، وحد أقصى للعاملين فى أجهزة الدولة على وجه الخصوص، فإنها أضافت إمكانية وجود استثناءات من الحد الأقصى عبر القانون، بشكل يعمل فى اتجاه تفريغ المادة من مضمونها وغايتها، لأن وجود الحد الأدنى للأجور ليس له أى قيمة تذكر فى ظل عدم ربطه بمستويات الأسعار المتقلبة وغياب الحد الأقصى للأجور، فوظيفة الأجور هى تحقيق درجة من العدالة الاجتماعية عبر توزيع الدخل، وإهمال الحد الأقصى عبر وضع استثناءات له سيؤدى إلى انخفاض قيمة الحد الأدنى وزيادة التفاوت فى الدخل، حيث سيعانى أصحاب الأجور المنخفضة من ارتفاع الأسعار وحدهم، أما أصحاب الدخول المرتفعة التى ستزيد بلا سقف محدد فلن يتأثروا بذلك.كما أنه يستحيل إيجاد تمويل حقيقى للحد الأدنى للأجور والمعاشات فى وقت الأزمة الاقتصادية الراهنة دون رفع معدلات التضخم وعجز الموازنة العامة للدولة الذى وصل لحوالى 203 مليارات جنيه عن العام المالى 2011/2012 إلا عبر وضع حد أقصى محدد وصارم لأجر العاملين بأجهزة الدولة دون استثناءات.
ما سبق كان مجرد عرض لجزء بسيط -على سبيل المثال وليس الحصر- من نمط عدالتهم الذى أعتقد أنه سوف يختلف بالضرورة عن نمط عدالتك الذى تسعى إليه، ولكن إذا أردت معرفة بقية التفاصيل بنفسك، فعليك بالقراءة المتأنية والمتعمقة لبقية مواد الدستور الجديد.