مصر «المتطرفة».. تحالف القوى الإسلامية طريقنا إلى «النموذج الإيرانى»
الدولة المتطرفة.. هذا الوصف يأتى كـ«designation» أو تسمية يفهم منها أن الدولة أخذت بالفعل شكلاً أو مساراً دينياً ما (إسلامياً فى هذه الحالة)، وبما أن الطيف اللونى للحركات الدينية هو طيف واسع بطبيعة الحال؛ لذا فإن وصف «المتطرفة» يعنى أن بناء الدولة المؤسسى (institutional structure) تلون بدرجة شديدة وغير مرنة من التزمت الدينى، ولعل أبرز معالم تلك الدولة الدينية هو جنوحها لاستخدام العنف (violence) داخل حدودها، وبين مواطنيها، معتمدة على الذرائع المنسوبة إلى الدين، ومن ثم، مع مرور الوقت، تخبو عوامل المقاومة أو المعارضة الداخلية، التى سيجرى تفتيتها، والتمكين لعناصر الدولة الدينية المتسلطة (authoritarian).
يفترض هذا السيناريو أن مصر ستتحول إلى دولة متطرفة، وأن تلك الدولة ستتحول إلى دولة تقفز على حقائق عالمنا، ومفهوم ومكونات الدولة الوطنية، وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، بعد أن يتمكن النظام الجديد من فرض سطوته على كل المؤسسات، بهدف تغيير طبيعتها، لتكون فى خدمة المشروع الأيديولوجى المغلق.
مكونات السلطة الحاكمة
مرجحة أن تكون مكونة من: «الإخوان المسلمين، المتحالفين مع الجماعات السلفية، مع التنسيق مع الجماعات الجهادية»، التى ستُستخدم فى عملية التمكين، فى إطار توظيفها داخلياً لإرهاب الخصوم، وخارجياً من خلال التعاون المعلوماتى والاستخباراتى مع الحليف الأمريكى، الذى تحرص تلك القوى على عدم إغضابه مبكراً.
هذا السيناريو ستحكم مدة بقائه عدة أمور، منها: استمرار التحالف وتحوله إلى تحالف استراتيجى مع استبعاد القوى المدنية، وتوسيع مدى الإقصاء أحياناً، ونسبة الغلبة للجماعة الحاكمة على مؤسسات الدولة وفى الشارع، وتدخل أطراف دولية فى الصراع لصالح السلطة أو المعارضة.
طبيعة ومسارات السياسة الداخلية
انطلقت خطة تمكين السلطة الجديدة من خلال الدستور الذى أُقر بأغلبية ضئيلة، تعكس غياب التوافق. وترسم نصوص الدستور الجديد ملامح هذا التمكين؛ حيث آلت السلطة التشريعية إلى مجلس الشورى بأغلبية إسلامية تتجاوز 70% من مقاعده، وتمتد تلك السلطة التشريعية المؤقتة فى الحضور لعام كامل، ربما، وحتى الانتهاء من إنجاز قانون جديد للانتخابات، وانتهاءً بانتخاب مجلس النواب الجديد. ومن خلال أجندة تشريعية متخمة، سيسعى هذا التيار إلى إقرار ما يحتاجه من تشريعات تمكنه من إحكام القبضة على كل مؤسسات الدولة التنفيذية، وكذلك تكبيل منظومة الإعلام، بما يمهد أيضاً لخطة تقييد الحريات العامة من خلال سلطة جديدة أطلقتها نصوص الدستور، هى سلطة المجتمع، التى تستهدف تغيير النمط الاجتماعى المصرى، إلى نمط آخر أقرب للبداوة، التى تسوَّق باعتبارها النموذج الأقرب للإسلام.
فى السياق ذاته، تسعى نصوص الدستور الجديد إلى إعادة هندسة السلطة القضائية، بما يحولها إلى سلطة مهمشة غير قادرة على كبح جماح الحكم الجديد أو دفعه لاحترام المبادئ القانونية والدستورية العامة، التى عصف بمعظمها من خلال هذا الدستور، بما يعبر عن اختيار فكرى لسلطة الحكم الجديد، لا يتعاطف كثيرا مع فكرة وجود 3 سلطات فى الدولة المدنية الحديثة، حيث يعتقد هذا التيار أن السلطة فى الدولة الإسلامية سلطة واحدة تعين القضاة والوزراء وأمراء الجند.
وإذا كانت السلطة الجديدة على هذا النحو، فهى لن تتسامح مع وجود معارضة جادة، تهدد بقاءها فى الحكم؛ لذا ستسعى إلى تقويض المعارضة أو شل فعاليتها بأسلحة الحكم التقليدية، مثل الاغتيالات المعنوية وحملات التشويه والتشريعات المقيدة، وربما غض الطرف عن إرهاب المجموعات الجهادية للخصوم، بما يهدد تجربة التعددية السياسية تهديداً حقيقياً.
يقود ذلك البلاد، بالطبع، إلى احتقان اجتماعى وسياسى كبير، يتطور إلى صراع، لا سيّما مع حالة الشعور بالقوة المسيطرة على جميع التيارات السياسية. وتمثل تداعيات السياسة الاقتصادية أحد أهم دوافع هذا الصراع، هذه السياسة التى تجسدها ضرائب مرتفعة، وموجات ارتفاع فى الأسعار، وإعادة تقييم للعملة المحلية، يؤدى بالضرورة إلى خفض القوة الشرائية وتنامى ظاهرة البطالة، مع اختلال نظام الأجور وزيادة الديون الخارجية والداخلية، إضافة إلى تبنى التيارات الدينية خطاباً طائفياً يكرس الانقسام، ويزيد من حدة الاحتقان المجتمعى، ويراكم الغضب والانفجار، الذى يهدد كل مؤسسات الدولة، ويعرضها إلى التفكك.
الأمر الذى يفتح الباب، وربما وسط ترحيب شعبى ودعم بعض المؤسسات والأجهزة والقوى، لتدخل المؤسسة العسكرية، بانقلاب عسكرى؛ للحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وقد يبدو الأمر فى هذا الوقت محل مشروعية أخلاقية وسياسية.
طبيعة ومسارات السياسة الخارجية
هذه الدولة ستكون متطرفة داخلياً فحسب، وستبقى أكثر مرونة واعتدالاً مع الخارج، لا سيما الولايات المتحدة، وتجاه موقفها من الصراع مع الإسرائيليين.
فى هذا السيناريو ستبقى مصر داخل نفس دائرة التحالفات القديمة، مصطفة مع المملكة العربية السعودية، تحت مظلة أمريكية كبرى، ومع الالتزام بعدم تجاوز الدور الإقليمى للسعودية، التى ستصطف معها مصر فى داخل إطار سنى فى مواجهة إيران التى ستتعقد معها العلاقات حينئذ، وقد يكون هذا ثمناً تدفعه مصر للولايات المتحدة فى مقابل صمت الأخيرة عن وجود جزء من السلطة «جهادى»، مع استمرارها فى الضغط على السلطة من أجل تحجيم الجهاديين. وسيستند هذا التحالف إلى كثير من الدوافع، السياسية والدينية. أما مع بقية الدول العربية، فبعض دول الخليج لن تتطور معها العلاقات إيجابياً، فسيتصاعد فزعها من الإسلاميين والخوف من انتقال نموذج الحكم هذا إليها، وبعض الدول الأخرى مثل تونس وليبيا، سيتطور تنسيق ودعم السلطة فى مصر لامتدادات جماعة الإخوان فيها على مستوى عالٍ، وفى سوريا أيضاً من أجل إسقاط النظام السورى، حتى تتكون حلقة إقليمية واسعة يكون اللاعب الرئيسى فيها الإخوان المسلمين. وإجمالاً ستتورط مصر فى اصطفاف مذهبى يفقدها أهم عوامل تفردها كدولة إقليمية، ومقومات تصدرها للنظام العربى الذى سيهترئ فى حال حدوث هذا السيناريو.
التناقض الرئيسى بين حلفاء السلطة سيتمثل فى علاقة مصر بإسرائيل والولايات المتحدة، وتأثير النشاط المحتمل للجماعات الجهادية فى سيناء، التى ستكون جزءاً من السلطة، على هذه العلاقات، وعلى حجم الدعم الأمريكى للسلطة.
فالتيارات الجهادية الآن تتمتع بحرية الحركة فى سيناء، ونسبياً توقفت عملياتها ضد الأمن، نتيجة فتح الإخوان قنوات للحوار معها، لكن بعد تمكين التيار الإسلامى، بشكل شبه كامل، بكل توجهاته، سيتصاعد حجم نفوذ تلك الجماعات، وتتمدد مساحات سيطرتها، ونطاق عملياتها، فإذا استمرت فى استهداف الأمن المصرى، سيتعقد الموقف بالنسبة للسلطة، وسيضطر الجيش المصرى لمطاردة هذه المجموعات، وإن تسبب ذلك فى إجهاده، وتوريطه فى حرب عصابات، أو سيطلب من السلطة التدخل لدى هذه الجماعات، كما حدث من قبل. وحال استهدفت هذه المجموعات إسرائيل، أو على الأقل مناوشتها، فإن الموقف سيكون أكثر تعقيداً؛ حيث سيخلق مشكلة للسلطة مع الداعم الخارجى ووقتها سيحدث الصدام بين الإخوان والجماعات الجهادية.
الأخبار المتعلقة:المستقبل فى رسوم الأطفالأمير الصاوى عضو حركة «حازمون»: مستقبل مصر معنا.. وسنحصد 30% من مقاعد البرلمانناثان براون: «الإخوان» جماعة كل «المتناقضات»