مفيش شوارع فاضية وراحت على شارع محمد على.. من ذا الذى يحيى «الأراجوز» من مرقده؟
«الأراجوز الأراجوز والبنت اللى اسمها كشكليوز، ياحلاوتهم، آدى حكايتهم هما الجوز، ياكتاكيتهم ياشقاوتهم. العروس والجندى: الله الله.. الحيا والخشى جرى فيهم إيه؟ واقفة بتترقصى للأراجوز طب مابتترقصليش ليه؟!
كشكليوز: هو أنت خطيبى طب هو حبيبى.[Image_1]
الأراجوز: هو انت خطيبها. طب أنا حبيبها».. عبر هذه الكلمات تتخذ «فاطمة» (سعاد حسنى) قرارها بالوقوف فى وجه العمدة باستخدام الحيلة والمكر، فى فيلم «الزوجة الثانية» الذى يظهر من خلاله كيف كان الأراجوز متعة الفقراء، التى تصل إلى الجميع فى القرية المصرية.
لم يعد هناك مكان للأراجوز فى مدينتنا، اختفت المساحات القادرة على احتضان هذا الفن الأصيل من الشوارع، وضاقت على شخوصه الأرض بما رحبت، حتى شارف على الانقراض.
منذ 50 عاما، كانت الملاهى الليلية تقدم الأراجوز كفقرة أساسية، ففى ملهى «الكيت كات» الليلى بحى إمبابة دأب المرحوم محمود شكوكو، على تقديم فقرة الأراجوز كل ليلة، يبدأها بمونولوج، يعقبه عرض له مع الأراجوز، ومن لم يكن يستطيع دفع ثمن التذكرة، كان يتسلق الشجرة المقابلة للملهى، ويشاهد العرض مجانا، لكن الملهى لم يعد موجودا، تم هدمه وبناء جامع ابن الوليد مكانه، واختفت فقرة الأراجوز من كل الملاهى.[Quote_1]
نضب شارعا محمد على وعماد الدين، المكان الأثير لأى فنان، ومنبع الآلات الموسيقية، لم يعد أى منهما قادرا على شحذ طاقة الفنان، أو تمكينه من لقاء غيره من أبناء الكار.. كما أن أشهر لاعبى الأراجوز فى مصر أحمد زوربة ونعمة الله العجمى ومصطفى الأسمر فى ذمة الله، لم يتبق منهم سوى «عم صابر» أشهر مقدمى هذا الفن فى مصر الآن .[Image_2]
كل من كان يمتلك قطعة أرض يعمد إلى بنائها، المتنفس الوحيد لفقرات الشارع وأشهرها الأراجوز أصبح فى خبر كان، ولم يعد له مكان واضح وسط فقرات المولد والسيرك، اللهم إلا بعض الحفلات المدرسية وأعياد الميلاد وحفلات بعض العائلات الأرستقراطية.
«الأراجوز صغير أوى لكن عمره أكتر من ألف سنة، ما بينساش حاجة أبدا، وبيضحك على طول، ومش أى حد يقدر يبقى أراجوز».. هكذا يصف ملك الأراجوز فى مصر «عم صابر المصرى» أحوال الرعايا فى مملكته الكبيرة.. مملكة الأراجوز، فقد كان طوال سنوات مضت وسيلة لحث الناس على مواجهة الظلم والقهر، والاقتداء بمكارم الأخلاق، ظهر فى أواخر العصر المملوكى نتيجة للظرف التاريخى القاهر، يخوض هو وزوجته كشكليوز مواقف تزخر بالمفارقات الكوميدية، كان يقوم بوظيفة الصحافة فى زماننا، حيث يسرد لمشاهديه الأخبار والظروف بطريقته الخاصة، ويحسب للأراجوز أنه أول من قال «ارحل» حيث ينهى عروضه دائما بطرد الطغاة، ودائماً ما يدخل الأراجوز فى صراع مع أحد أطراف القوة أو السلطة سواء كانت اجتماعية متمثلة فى زوجته ووالدها، أو دينية ممثلة فى الشيخ الفضولى، أو السلطة السياسية ممثلة فى الشاويش، أو القوى الغيبية الخفية ممثلة فى العفاريت.
تأبى مملكة الأراجوز إلا أن تنتصر على الفناء، فلها جنود يدافعون عنها، هؤلاء الذين شاهدوا هذا الفن، وذاقوا متعة الاستمتاع به فى طفولتهم، اتجهوا إلى إحيائه فى شبابهم، وعلى طريقتهم الخاصة، حيث تجرى الآن محاولات عدة لإحياء هذا الفن، سواء كمهنة أو كهواية.
أمينة زكى، مصممة جرافيك، هوايتها لعب الأراجوز، تقدم فقراته بصورة متفرقة، ليس الغريب فى أمرها أنها «فتاة» تقدم الأراجوز، ولكن أنها تدمج الأراجوز فى الثورة، وتحكى على لسانه ما يجرى، من حكايات الألتراس إلى أحداث وزارة الداخلية، تقول: «المهم يا سيدى، حصلت الثورة. ويوم 25 يناير الساعة 12 بالليل الداخلية نزلت عشان تضرب اللى فى الميدان. يقوم مين اللى يقف لهم؟ الألتراس. عشان همه شباب جدعان ما بيخافوش من حد وما بيهمهمش الضرب»، وعلى طريق كل الأراجوزاتية تضع أمينة فكرة عامة، تبدأ الارتجال والسرد على أساسها.
قد يغيب عن بعض الهواة أساسيات مثل زمارة الأراجوز -أو «الأمانة»- التى تتطلب تدريبا خاصا كى يتمكن المؤدى من ضبطها، تلك الأداة التى توضع داخل الفم، كانت قديما تصنع من النحاس، يصدأ و يتسرب للصدر مسببا الأمراض، فتم استبدال معدن الإستانلس بالنحاس.
الأراجوز غير مُجزٍ مادياً، ولم يعد متعة لأطفال الفقراء الذين قد لا يسمعون عنه فى حياتهم، لكنه يظل موجودا. عادل ماضى ممثل ولاعب أراجوز، يمارس هذا الفن مع أسرته، ويطالب بأن يخصص قسم بمعهد الفنون المسرحية للمسرح الشعبى ومن بين دراساته دراسة الأراجوز، لأنه يعد من تراث مصر الذى لا يحظى بأى اهتمام رغم قيمته، وكونه الوسيلة الأولى للإعلام والتوعية والنقد فى تاريخ مصر.
فرقة «ومضة» لفنون الأراجوز وخيال الظل، لمؤسسها ومديرها الدكتور نبيل بهجت، أستاذ المسرح بجامعة حلوان، تحاول بدورها إنعاش هذا الفن عبر العرض الأسبوعى الذى تقدمه كل يوم جمعة فى تمام السابعة ببيت السحيمى، والذى يختلط بالواقع المعيش حيث يحمل اسم الفقرة «حكايات الأراجوز والثورة».
وعلى المستوى الشخصى عمد الدكتور نبيل بهجت إلى تسجيل التراث الشفاهى للأراجوز وخيال الظل فى كتاب و20 فيلما وثائقيا للأراجوز، وذلك بعد فترة طويلة من البحث والتسجيل استمرت نحو 10 سنوات.