الكثيرون منشغلون بتوقع السيناريو المستقبلى لمصر ولنظام الحكم الذى سيحكمها، أكثر المتفائلين من التحرريين والتقدميين يتوقع النظام التركى، والمتشائمون منهم يتوقعون النظام الأفغانستانى أو الباكستانى أو السودانى، فى حين أن المحافظين أو الرجعيين يتوقعون نظاماً دينياً لا يشبه أى نظام موجود ليكون نظاماً مصرياً جديداً.
أنا شخصياً لا أتوقع نظاماً يشبه أياً من هؤلاء، ولا أتوقع أن يعيد التاريخ نفسه كما يظن البعض.
نحن نحيا فى ظروف لا تشبه أى حدث تاريخى آخر، لوجود عامل جديد على كل المعادلات الحالية، عامل يقلب كل شىء رأساً على عقب، وهذا العامل هو ببساطة الإنترنت.
إن كنت تتوقع أن الإنترنت مجرد وسيلة اتصالات جديدة مثل التليفون أو التليفزيون، فدعنى أؤكد لك أنك مخطئ، لو تراه اختراعاً فى أهمية الكهرباء أو اللاسلكى، فأنت مخطئ أيضاً، الإنترنت أهم اختراع فى تاريخ البشرية وأكثرها تأثيراً على الفرد والمجتمعات.
كما أن هناك مصطلح «الثورة الصناعية» أو «عصر النهضة»، نحن نحيا فى «الثورة الإلكترونية» أو «عصر الإنترنت».
الثورة الإلكترونية أسرعت من عملية التطور بأضعاف أضعاف ما كانت عليه قبلها، وأهم صفاتها تغيير طابع الإنسان وطريقة تفكيره.
أهم تغيير للإنترنت على الفرد هو إدراكه أنه فرد، إنه ليس مجرد عدد، ليس نقطة فى لوحة أو ترس فى ماكينة، الإنترنت يثبت للفرد كل يوم أنه لا يشبه أحداً، أنه لا يتطابق مع مجتمعه ولا مع أصدقائه ولا مع نفسه التى كانت منذ عدة أشهر.
مشكلة مجتمعاتنا الأولى هى أنها مجتمعات مغلقة، مجتمعات بنيت على ثقافة «الإجابة النموذجية»، هناك إجابة نموذجية واحدة، ويقارن بين إجابتك والإجابة النموذجية وتأخد النمرة بناءً على مقدار تشابُه إجابتك معها، مجتمعات اعتادت سماع الرواية الرسمية التى يجب على الجميع الالتزام بها وإلا أصبح خائناً، كافراً أو شاذاً فكرياً.
مجتمعاتنا قبل عشر سنوات فاتت، كانت تشاهد نفس النشرة، نفس المسلسل، نفس اليوم المفتوح، نفس المسرحية ونفس الفيلم، تسمع نفس خطبة الجمعة وتقرأ نفس الجرائد وتحكى نفس الحكاوى على المقاهى، كان من السهل تحكم السلطة فى كل هذه العوامل، للتأكد من تحكمها على البشر وعقولهم.
لكن اليوم إن دخلت على أسرة مكوّنة من خمسة أفراد ولديهم وسيلة للدخول على الإنترنت لوجدت أن كل فرد منهم كانت مدخلاته ومشاهداته يومياً تختلف عن الآخر.
سيموت كل ما هو «جمعى»، لن يكون هناك رأى «عام»، لن تكون هناك «أغلبية»، سيحدث التنوع رغم أنف أى منكم، لأن كل إنسان اليوم أصبح ما يتأثر به مختلفاً تماماً عن أخيه الإنسان.
يحدث ذلك بسرعة البرق فى الوقت الذى يبحث فيه العجزة عن طرق للتحكم فى الجرائد القومية أو فى القنوات الخاصة، غير مدركين أنهم يحاربون الزمن ويتعاملون مع عصر جديد بأسلوب العصر القديم.
سيدرك الظلاميون يوماً ما أن أغلبية الشعب تدخل على الإنترنت، وأن لا وسيلة لهم للتحكم بها، وأن قدرتهم على غسل الأدمغة فى تضاؤل، وقتها سيتلاشون أو يحترقون أو يلجأون إلى عنف سيكون مثواهم الأخير.
حدث ذلك مع مبارك، كان أكبر أخطائه هو دعم أجهزة الحاسب الآلى واشتراكات الإنترنت، فماذا حدث؟ تكوّنت كتلة حرجة صغيرة كانت كافية للإطاحة به، لكن عدد هذه الكتلة الآن لا يكفى لتكوين كتلة حرجة لمحاربة أفكار المجتمع، إن كانت أفكاراً متعصبة أو طائفية أو رجعية، لكن المسألة مسألة وقت فقط، وليس وقتاً طويلاً كما يظن البعض.
بعد خمس سنوات من الآن سيدخل ملايين جديدة من الشباب على الإنترنت، ستتغير طريقة تفكير كثير من الذين يدخلون عليها اليوم، سيموت عدد لا بأس به من الديناصورات.
لا يخفى على أحد أن أسلوب تصويت الحضر المتأثر بالإنترنت يختلف اختلافاً جذرياً عن أسلوب تصويت الريف والأقاليم غير المتأترة بها، حتى من يختار أو يصوت عكس اختيارى، فى هذه المناطق يختار على أساس اختيار فردى منطقى، وليس لأنه مغسول الدماغ أو موجه.
لذا إن أراد أحد أن يدعم الحرية والتقدُّم والفكر والعلم فليساعد أحداً فى الدخول على الإنترنت.
أعلم أن السكة طويلة، فالإنترنت رفاهية لمن لا يجد قوته أو معاشه أو لا يستطيع القراءة والكتابة، لكن فى النهاية مهم أن نأمل ونحلم لغد أفضل، وأتمنى قبل أن أموت أن نحتفل بيوم نقضى فيه على الأمية الإلكترونية، كما فعل العديد من دول فعلياً.. إن شاء الله.